• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

بين خطر «الجهاديين» والتورط العسكري

الأزمة السورية.. وتعقيدات دعم المعارضة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 08 يونيو 2014

دويل مكمانوس

محلل سياسي أميركي

تضمنت الكلمة الخاصة بالسياسة الخارجية التي ألقاها أوباما في الأكاديمية العسكرية الأميركية الأسبوع الماضي قائمة بكل الأمور، التي لا يريد فعلها الرئيس الأميركي. فهو لا يريد الانسحاب من العالم وفي الوقت نفسه لا يريد أن يستخدم القوة العسكرية لحل كل مشكلة. وفوق كل هذا، لا يريد أن يتورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط، أو أي مكان آخر لهذا السبب. لكن هناك استثناء في تعاليم أوباما لضبط النفس وهو الإرهاب. أوباما مستعد لأن يستخدم القوة العسكرية الأميركية بشكل غير مباشر إذا أمكن، وبشكل مباشر إذا استلزم الأمر ضد الإرهابيين الذين يشكلون تهديداً للولايات المتحدة.

وهذا هو السبب، رغم سحبه القوات من العراق وأفغانستان، الذي جعله يرسل مستشارين عسكريين إلى أفريقيا. وهذا هو السبب الذي لا يكاد يُلحظ تقريباً، والذي من أجله وافق أوباما على تصعيد تدريجي ولكن مهم للتحركات الأميركية في سوريا، أكثر ميادين القتال خطورة وتعقيداً. وقبل عامين فحسب عندما اقترحت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية آنذاك ومعاونون آخرون المضي في مسعى أميركي لتسليح وتدريب المعتدلين وسط صفوف المعارضين الذين يقاتلون حكومة الأسد، رفض أوباما الفكرة. وقال حينها إن مقاتلي المعارضة ليس لديهم قدرات كافية للتصدي لقوات الأسد وليسوا جيدي التنظيم. وخشى أوباما أن يجر الالتزام بكفاح مقاتلي المعارضة الولايات المتحدة إلى منحدر زلق من التدخل العسكري. لكن أوباما أقدم حالياً على الخطوات التي رفضها من قبل. ويقول معاونوه إنه وافق على «تعزيز» الإمدادات المتواضعة من الأسلحة التي بدأتها الولايات المتحدة العام الماضي.

ما الذي تغير؟ إنها ليست فرص مقاتلي المعارضة المعتدلين في الانتصار في كفاحهم ضد الأسد و«القاعدة»، فبعد سلسلة من الانتكاسات العسكرية، أصبح هؤلاء المقاتلون أسوأ حالاً في الميدان عما كانوا عليه قبل عامين، بل إن ما يحرك قرارات أوباما أن هناك تكاثراً وانتشاراً مزعجاً للجماعات الإسلامية المتطرفة في سوريا بعضها متحالف مع «القاعدة». والأسبوع الماضي، أصبح رجل من فلوريدا أول مواطن أميركي يموت في تفجير انتحاري في الحرب السورية. وقدمت وفاته تأكيداً على هذا الاتجاه، فهناك نحو 70 أميركياً وعدد مقارب من الكنديين ومئات من الأوروبيين الذين انضموا إلى الجماعات «الجهادية» في سوريا، وما أن يجري تدريبهم وامتحانهم، فإن بعضهم قد يعودوا وينفذوا عمليات إرهابية في وطنهم. وقال مسؤول أميركي بارز «ما جعلنا نركز انتباهنا هو خطر المقاتلين الأجانب.. هذا دفعنا في البلاد لأن نتحدث عن مصالح أمنية قومية حقيقية فعلياً».

سوريا كانت مأساة إنسانية وأزمة لاجئين سابقاً، لكنها أصبحت الآن تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، ومن ثم أُدرجت على القائمة القصيرة لأوباما الخاصة بـ«المصالح المحورية»، التي تبرر استخدام القوة العسكرية. وهذا لا يعني أنه يعتزم شن ضربات أميركية مباشرة ضد الجماعات الإرهابية في سوريا على الأقل في الوقت الحالي. لكن الخيار الآن «مشروع قانونياً» بحسب ما قال المسؤول. وفي الوقت الحالي، ينصب تركيز الولايات المتحدة على ترجيح كفة الميزان، إذا أمكن، في الحرب الأهلية بتقديم بديل لـ«القاعدة» أمام الشباب السوريين الذين يريدون القتال، والأهم من هذا هو تقديم مساعدين في الميدان لوكالات المخابرات الأميركية أثناء تعقبها إرهابيين محتملين. ولا يوجد على قائمة الأهداف تحقيق نصر عسكري لمقاتلي المعارضة. ويقول مسؤولون إن هذا بعيد المنال. وفي مقابلة مع راديو «إن. بي. آر الأميركي» الأسبوع الماضي، وجد أوباما صعوبة وهو يحاول إبقاء التوقعات منخفضة. وقال «ستكون هناك حدود على مدى سرعتنا التي يمكننا بها تعزيز قدرة هذه المعارضة... ما لا نريد أن نفعله هو تقديم وعود لا يمكننا الوفاء بها». وأضاف أن الولايات المتحدة ربما تستطيع أن ترجح الكفة في صالح التوصل إلى حل سياسي. فهل دشن أي رئيس مهمة مساعدة عسكرية ذات أهداف مرسومة بعناية شديدة على هذا النحو من قبل؟

ما يحاول أوباما فعله طبعاً هو محاولة البقاء بعيداً عن المنحدر الزلق الرهيب نحو تدخل عسكري أميركي كامل في صالح مقاتلي المعارضة. ويخشى مسؤولون أن يكون الوعد كبيراً جداً، وأن يظهر شخص ما عاجلاً أم آجلاً سيطلب من الولايات المتحدة أن تفي بما وعدت. ونوع الالتزام المحدود الذي يقدمه أوباما للمعتدلين السوريين ينقل الولايات المتحدة إلى ساحة أخلاقية ملتبسة. فمجرد أن ندرب ونسلح «متمردينا» فهل علينا الالتزام بأن ندافع عن رقابهم إذا خسروا؟

لقد حدث هذا مع الولايات المتحدة من قبل. فقد أرسل رؤساء سابقون مساعدات عسكرية لأحد أطراف الحرب فما كان من هذه المساعدات إلا أن توقفت، بآسف بالتأكيد، عندما خسر حلفاؤنا. فقد كان سقوط سايجون عام 1975 هزيمة كبيرة لأميركا لكن الأمر لم يُلحظ إلا بعد عقد تقريباً. ومع تقديم مساعدات أميركية لمقاتلي المعارضة، من المحتمل أن تستمر الحرب الأهلية السورية لسنوات ومعها يستمر انقسام البلاد إلى إقطاعيات طائفية. لكن هذا كان سيحدث دون المساعدة الأميركية. كان يجب على أوباما أن يلتفت إلى نصيحة هيلاري كلينتون وليون بانيتا وديفيد بترايوس، ويوافق على مساعدة عسكرية للمقاتلين قبل عامين، وقبل أن يتكاثر عدد «الجهاديين» إلى هذا الحد، لكن حدوث الشيء متأخراً أفضل من عدم حدوثه على الإطلاق. ومن الممكن فحسب، رغم التناقض الظاهري في الأمر، أن تمنع «القاعدة»، بجذبها الولايات المتحدة إلى القتال، إلحاق هزيمة تامة بالمعارضة السورية الديمقراطية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا