• الخميس 06 ذي القعدة 1439هـ - 19 يوليو 2018م

الملعب كما المعبد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 يوليو 2018

الفاهم محمد

هل يمكننا أن نفكر فلسفياً في كرة القدم؟ سؤال قد يبدو للوهلة الأولى مستفزاً للذهن، إذ ما الذي يجمع سقراط وأفلاطون وديكارت بمارادونا وميسي وزين الدين زيدان؟!. مع ذلك فهذه الملاحظة الشكلية في ظاهرها، عليها أن لا تنسينا أن الفلسفة عبر تاريخها الطويل تميزت بالتفكير فيما يناقضها، أي فيما قد يبدو للوهلة الأولى غير فلسفي. خذ، مثلاً سقراط، وهو يواجه السفسطة والسوفسطائيين. خذ فوكو وهو يكتب عن تاريخ الجنون. إن التفكير الفلسفي لا يستقيم إلا بالانفتاح على آخره اللافلسفي. هذا الأمر يزداد وضوحاً في الفلسفة المعاصرة التي جعلت الفلسفة تنزل من عليائها كي تصبح تلك القوة النقدية والقراءة التشخيصية لظواهر العالم. من هذا المنطلق نتساءل كيف يمكننا مفْهمة الظاهرة الكروية في مجتمعاتنا المعاصرة؟

ظلت ظاهرة اللعب موضوعاً هامشياً في الفلسفة وغير مطروق إلا لماماً، غير أنها اليوم وبحكم الحضور القوي لها في المجتمعات المعاصرة تستحق بالفعل الانتباه لها. لقد أصبح اللعب مكوناً أساسياً من مكونات المجتمع المعاصر حتى بات اللفظ يخيم بدلالاته على ميادين عديدة. نتحدث مثلاً عن اللعبة السياسية، واللعبة الاجتماعية، وعن اللعب البيداغوجي، وعن نظرية الألعاب في الاقتصاد والرياضيات والعلاقات الدولية.

اللعب واللاعب

أن نفكر في كرة القدم إذن هو أن نفكر في هذا الإنسان اللاعب Homo ludens كما يسميه يوهان هويزينغا (1)، ذلك أن اللعب كما العقل والجنون والإبداع وغيرها بعد أساسي من تركيب الهوية البشرية حسب إدغار موران (2). وربما يكون هيدغر وهو يحدد البنيات الأساسية للدازايين قد نسي تماماً أن اللعب واللهو لا يقل أهمية عن القلق والموت والوجود في العالم وغيرها. أما نيتشه فقد أعلى من قيمة المرح والرقص، مطالباً الإنسان أن يفكر كما لو أنه يلعب وذلك بغرض تجاوز وتحطيم كل فكر نسقي مغلق.

كل الحضارات عرفت شكلاً من أشكال اللعب مثل الألعاب الأولمبية وسباق الخيول ولعبة الشطرنج وغيرها، غير أن ظاهرة اللعب يزداد حضورها في مجتمعاتنا المعاصرة بأشكال وأنواع مختلفة، وهي تبلغ تحققها الكامل في لعبة كرة القدم. هذه اللعبة التي أصبحت كما هو معروف ذات صيت عالمي وشهرة لم تبلغها أية رياضة من قبل في التاريخ. إنها تثير شغف الجميع وتجيش عواطف الكبار كما الصغار. تصنع سعادة البعض كما الإحباط والأسى لدى البعض الآخر، لكنها في كل الأحوال تضع الجميع في مواجهة براءتهم الأصلية، تلكم البراءة التي افتقدناها وراء مساحيق الحضارة: «كما لو كان الإنسان المولع باللعب يريد أن يحطم من الداخل قناع الإنسان العاقل» (3) كما يقول إدغار موران.

أما روجيه كايوا فهو يربط بين ما هو لعبي Ludique وما هو مقدس، مستثمراً ومطوراً في الآن ذاته أطروحة هويزينغا. في نظره الملعب كما المعبد كلاهما حيز محدد من المكان، يجري فيه تفريغ للطاقة النفسية والبدنية، بكل ما يملكه الإنسان من الشغف والحيوية والحماس، وهو أمر في نظر كايوا يبعدنا عن النظام العادي للحياة ولذلك يصرح قائلاً: «لا نزاع في أن اللعب هو شكل محض، أي نشاط يجد غايته في ذاته، وقواعد نحترمها لمجرد أنها قواعد فقط» (4). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا