• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

الذّهب البليغ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 يوليو 2018

د. رفيقة بن رجب*

هناك تشابه كبير بين الصيغة الجمالية للحلي، والصيغة الجمالية المعيارية للأسلوب، كلاهما ينشد الجمال والبريق والتألق، واستوقفتني الحلي في بحث نشرته مؤخرًا بعنوان (نموذج الجمال في شعر عمر بن أبي ربيعة - دراسة أسلوبية)، وتعرفت من خلال تتبعي للموضوع على الحلي التي كانت تتزين بها المرأة آنذاك، وإذ بي أجد أن مقاييس الجمال لديهم لا تختلف كثيرًا عن الحقب اللاحقة إلى عصرنا هذا، سواء على مستوى المعجم الشعري أم على مستوى الأنساق التركيبية والتصوير الفني الذي يتشكل منه نسيج النص الإبداعي. فالشاعر يمتح من منابع النشأة التي عاشت المرأة المترفة في أجوائها في نعمة ودلال وثراء، لأن تلك الحلي تخص المترفات من النساء.

إذن ثقافة الحلي لم تتغير منذ غابر الأزمان في كونها ذات وهج براق خاص بالبيوتات النبيلة. فمن أبرز أنواع الحلي التي أشار إليها عمر في ديوانه: الذهب/‏ العقيق/‏ الديباج/‏ الزبرجد/‏ الياقوت/‏ القلائد/‏ العقود/‏ الخلخال/‏ الجمان/‏ المرجان... إلخ. ولا أظن أن مثل هذه الأسماء قد اختلفت عن المعاجم في العصور التالية اللهم إلا بعض الحلي والجواهر الجديدة.

ولكي نلم بدائرة الخطاب الجمالية وتأصيله عبر الأزمان التاريخية لابد أن نضع في اعتبارنا زمنية ذاك التأصيل الذي سوف يتماهى مع معطيات تلك الممارسة الإبداعية، ومن هنا نستطيع إغلاق تلك الدائرة ولكن لفترة محدودة.

إننا نتساءل: هل أفانين الحلي تشبه أفانين القول؟ أقول ودون شطط إنهما يتشابهان فعلاً. إذن لا بد مع موضوع الحلي من تجاوز النمطية والرتابة، وتطوير الآليات التي نمتلكها للوصول إلى ذاك الكشاف المعجمي الخاص بالمنتج الجمالي لكي يتفاعل مع جميع الفضاءات للوصول إلى عمق تلك الصنعة النادرة.

إن حركة الحياة وتجديدها المستمر يجعلنا نعشق ونقدس أبجدية الجمال بكل المقاييس المتاحة. والخطاب الجمالي يكاد يتوازى مع الخطاب النقدي، فكلاهما يصنع الجمال، ويؤسس لفلسفة ذات سمت عريق، له قيمة حضارية محاطة بثوابت نسقية متداخلة عبر منظومة متمسكة بهوية الذات على مدار العصور والحقب الزمنية المتلاحقة. وتفحص الجمال مع أي منتج فني يتطلب منا مهارات قرائية لها أبعاد ذوقية تستوعب كل هذه الفروق، دون وضعها في قوالب أو مرتكزات ثابتة لا تتغير.

فهل يا ترى! نستطيع أن نتعرف إلى الشخص وإلى طبيعية المجتمع الذي يعيش فيه من خلال تلك الحلي؟ خاصة وإن تلك الجواهر تستوحي بصماتها من التراث الذي تعيش فيه؟! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا