• الجمعة 07 ذي القعدة 1439هـ - 20 يوليو 2018م

عندما صاغ الشاعر رسومات زوجته بقصائد

ألواح أوكتافيو باث

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 يوليو 2018

عبده وازن

لعل أجمل تحية توجه إلى الشاعر المكسيكي الكبير اوكتافيو باث في الذكرى العشرين لرحيله (أبريل 1998) هي استعادة تجربة شعرية فريدة له حملها ديوان مشترك - ما برح مجهولاً عربياً - رغم كل الترجمات العربية التي حظي بها شعره. هذا الديوان الذي ترجم إلى الفرنسية اختار له عنواناً تشكليلياً هو «صور وتصاوير»، وضم اثنتي عشرة قصيدة له، واثنتي عشرة لوحة أنجزتها زوجته الرسامة ماري جوزيه باث.

اللوحات في هذا الديوان لم تسع إلى تزيين القصائد ولا القصائد سعت إلى مرافقة اللوحات ظاهرا، بل بدت القصائد واللوحات تتحاور وتتقابل وتتداخل «علاماتها» عبر ما يسميه الشاعر الفرنسي الكبير إيف بونفوا في تقديمه للديوان «الرغبة في الاتحاد»، لكن الاتحاد هنا بين الشعر والرسم لن ينتهي إلى حال من الانصهار التام. فاللوحة تظل لوحة والقصيدة تظل قصيدة. وإن بدت اللوحة سابقة كصنيع فني والقصيدة لاحقة فإن الشعر لم يكن ليفسر الرسم حتى وان أمعن في استيحائه أو انطلق منه ليبني عالمه اللغوي والدلالي.

في هذا المعنى يظل أوكتافيو باث هو نفسه أوكتافيو باث. واللوحة تظل لوحة زوجته الرسامة التي اكتشفت دعوتها الفنية مصادفة فراحت ترسم بصمت بعيدا من ضوضاء العالم. بل هي - كما يعبر باث - راحت تصغي إلى النداء الباطني الذي اندلع في دخيلتها ذات يوم، ولجأت إلى الرسم وفن الكولاج لتعبر عما يساورها أو يعتريها من أحوال ورؤى.

لعل طرافة هذا الديوان الذي يحمل عنوان «صور وتصاوير» في كونه يفضح ناحية من نواحي العالم الشعري الرحب الذي رسخه أوكتافيو باث، وأقصد علاقة القصيدة لديه بالرسم أو الرؤية التشكيلية التي يضمرها شعره. وثقافته التشكيلية ساعدته كثيرا على اختراق المأزق الشعري وهذبت عينه الداخلية وفتحت أفقه اللغوي على معنى الصورة.

ولا تنفصل هذه الثقافة عن ثقافته الشاملة التي تمثل جزءاً رئيساً من تجربته الشعرية. فالتجربة الثقافية هي الوجه الآخر الذي يكمن وراء وجه الشاعر أو وجه الشعر. وقد يكون الفن التشكيلي هاجساً من هواجس باث التي كثيرا ما ساورته تماما مثل الأروسية والصوفية وسواهما.

يعرف الشاعر، كما يشير في نصه الذي كتبه عن هذه التجربة المشتركة، شاهداً طوال خمسة عشر عاماً على عمل زوجته ماري جوزي باث «السري والشغوف». كان يحدق في اللوحات كما لو كان يقرأها، ويغرق في عالمها الغريب، الواقعي والحلمي. وتحت وطأة تلك «الرفقة»، أو «الصداقة» الفنية راح يكتب قصائده انطلاقا منها. بل هو استطاع أن «يضع» اثنتي عشرة قصيدة مستوحياً اثنتي عشرة لوحة. غير أن من يقرأ القصائد ويشاهد اللوحات يتبدى له بوضوح كم أن القصيدة تضاهي اللوحة إبداعاً وسحراً. فهي لا تكرر اللوحة ولا «تعلق» عليها كما يقال ولا تنسج لغتها من تفاصيلها حتى وان ارتكزت اليها أو استوحتها مباشرة. اللوحة تصدم العين ثم المخيلة، أما القصيدة فتنقل العين والمخيلة إلى عالم شعري هو أولاً وآخرا عالم أوكتافيو باث. وإن انطلق باث - مثلاً - من بعض التفاصيل الملموسة في اللوحات أو بعض الأشياء المادية الواضحة فهو لا يلبث أن يشعرنها جاعلاً اياها مجازات أو كنايات شعرية بامتياز. مخدتا الساتان في إحدى اللوحات تصبحان في القصيدة «القلب والذاكرة». الإبر في اللوحة نفسها تصبح بدورها «آلاما ورغبات وأفراحا ووداعات...». أما الجدار الذي يحمل في لوحة أخرى بعض الأختام القديمة فيصبح «جدارا موشوما بالعلامات»، مثل «جسد الليل المنجم». ويضحي كل ختم عبر مخيلة الشاعر حرفا وكل حرف نافذة وكل نافذة نظرة. ولعل «العيون» التي تنبثق من ظلام إحدى اللوحات ليست بحسب الشاعر عيونا تنظر، بل هي «عيون تبتدع ما ننظر اليه». أما اللوحة التي سمتها الرسامة «علبة الغيم»، فهي سرعان ما فتحت أجنحتها عبر القصيدة وطارت. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا