• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

الفيلسوف موسى وهبة في الذكرى الأولى لرحيله

قبطان المفاهيم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 05 يوليو 2018

كاظم جهاد

مرت في الثالث من يوليو الجاري الذكرى الأولى لرحيل الفيلسوف ومترجم الفلسفة الغربية وأستاذها في الجامعة اللبنانية الدكتور موسى وهبة. هو مفكّر ومترجم رفض أن يفصل بين كتابة الفلسفة وترجمتها، لا بل ذهب إلى حدّ اعتبار ترجمة الفلسفة مدخلاً لا غنى عنه لكتابتها بالعربية، هذا المطمَح الذي كان يدعوه «قول الفلسفة بالعربيّة» أو «التفلسف بالعربيّة». مطمحٌ ظلّ يؤسّس له وينظّر ويكتب فيه طيلة العقود الأخيرة من حياته التي أمضاها في الفعل الفلسفيّ حتّى آخر لحظاتها.

لدى الكثيرين من القرّاء ارتبط اسم الفقيد العزيز بعمل الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، وذلك بباعث من ترجمته الرّائدة لكتابه الأساس «نقد العقل المحض». كانت تلك بادرة أولى جسيمة في المسار الفلسفي للدكتور وهبة، أحدثت قَطعاً في ترجمة الفلسفة العربية بفعل الأفق الذي انخرطت فيه هذه الترجمة والانهماكات اللّغوية والفكرية التي شغلتْه فيها سطراً سطراً وعبارةً عبارة.

هذه الطبيعة الإمعانيّة وهذا الانهماك العجيب في الترجمة وصوغ القول الفلسفيّ رافقاه في كلّ محطّات عمله التي تبعت ترجمته الأولى تلك، لاسيّما أشغاله الواسعة على فكر هوسرل وهيوم ونيتشه وهايدغر.

اشتغال مفاهيمي

لم يكن موسى وهبة يستسهل صياغة الجمل، بل حفظ عن قدامى الفلاسفة العرب أهميّة البيان في التعبير الفلسفيّ كتابةً وترجمةً. كان يتعهّد عبارة الفيلسوف الذي يترجم عنه برعاية فنّية ويستولد لها البيان المطلوب حتّى يوصلها إلى مرماها الصحيح، ويُتيح فهمها وتلقّيها من لدن القارئ، سائغةً رغم تعقيدها، ممتعةً على ما فيها من تعرّجات بنيانيّة ولوَينات وفروق تعبيريّة. لكنّ الفريد في تجربته هو أنّه لم يكتفِ بهذه البراعة في إيصال العبارات، بل أضاف إليها عناية فائقة بالمفاهيم («الأفهومات» أو «الأفاهيم» كما كان يسمّيها).

مبكّراً أدرك أنّ ترجمة الفلسفة أو كتابتها لا يمكن أن تستوي وتتأسّس إلّا إذا ما أمعن خائض هذه التجربة في تأمّل عمل المفاهيم وسعى إلى إعطائها مقابلاً عربيّاً يتمتّع بالقدر ذاته من الحيوية والقدرة على الفعل. هذا ما أدركه من قبلُ قُدامى تراجمة الفلسفة العرب وشُرّاح أرسطو من الفارابي إلى ابن سينا وابن رشد، إذ رأوا في المصطلح أو المفهوم عماد التفكير الفلسفيّ وآلته الضرورية، لا بل المُلزِمة. وكم كان مبلغ ارتياح الدكتور وهبة عندما اكتشف بعد سنوات نشاطه الأولى أنّ أحد أكبر فلاسفة فرنسا في القرن العشرين، ولعلّه فيلسوفها الأكبر، جيل دولوز، كان يعتبر ابتكار المفاهيم أو إبداعها أساس عمل الفيلسوف، وهو ما اعتبره موسى وهبة أساس عمل مترجم الفلسفة أيضاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا