• الخميس 04 ربيع الأول 1439هـ - 23 نوفمبر 2017م
  01:26    الحريري: الفترة الأخيرة كانت صحوة للبنانيين للتركيز على مصالح البلاد وليس على المشاكل من حولنا    

الفن هو ما يقاوم

ما هـــــو العمل الإبداعي؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 يناير 2017

جيل دولوز

ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

أود أنا أيضاً أن أطرح أسئلة، أطرحها عليكم، وأطرحها على نفسي. ستكون من قبيل: ماذا تقومون به أنتم الذين تصنعون السينما؟ وأنا، بماذا أقوم بالضبط حينما أمارس الفلسفة، أو آمل أن أمارسها؟

بإمكاني أن أطرح السؤال على نحو مغاير: ماذا يعني أن تكون للمرء فكرة في السينما؟ إذا كنا نصنع السينما، أو نريد أن نصنعها، ماذا يعني أن تكون لنا فكرة؟ ماذا يحدث عندما نقول: «ها أنا لدي فكرة»؟ فمن جهة، لكون الجميع يعرف أن امتلاك فكرة حدثٌ لا يحصل إلا نادراً، إنه نوع من الاحتفال الذي ليس بالأمر الشائع. ثم، من جهة أخرى، إن امتلاك فكرة ليس أمراً عاماً. لا تكون لدينا فكرة عامة. الفكرة - ومن يمتلكها- تخصّ هذا المجال أو ذاك. فهي مرة فكرة في الصباغة، وأخرى في الرواية، ومرة في الفلسفة، وأخرى في العلوم. ومن البداهة أن ليس الشخص نفسه الذي يمتلك كل هذا. الأفكار ينبغي معاملتها كما لو كانت طاقات قد وُظّفت في هذا الشكل أو ذاك من التعبير، لا تبرحه إلى حدّ أنني لا أستطيع أن أدّعي أن لديّ فكرة عامة. حسب التقنيات التي أنا على دراية بها، يمكن أن تكون لديّ فكرة في مجال معيّن، فكرة في السينما أو فكرة في الفلسفة.

أصدر إذاً من منطلق أنني أمارس الفلسفة وأنكم تمارسون السينما. إذا سلمنا بذلك، سيكون من قبيل الاستسهال القول إنه، بما أن الفلسفة مستعدة للتفكير في أيّ شيء، فِلمَ لا تفكر في السينما؟ إنه لعمري منتهى الغباء. الفلسفة ليست معمولة لأن تفكر في أيّ شيء كيفما اتفق. عندما نعامل الفلسفة على أنها قدرة على «التفكير في»، يبدو كما لو أننا ننتظر منها كل شيء، في حين أننا ننزع عنها كل قدرة. فلا أحد محتاج إلى الفلسفة لكي يفكر. وحدهم القادرون على التفكير فعلًا في السينما، هم السينمائيون أو نقاد السينما أو الذين يعشقون السينما. وهؤلاء ليسوا في حاجة إلى الفلسفة كي يفكروا في السينما. إن الفكرة التي تقول إن أصحاب الرياضيات في حاجة إلى الفلسفة للتفكير في الرياضيات فكرة تبعث على السخرية. إذا كان للفلسفة أن تعمل على التفكير في شيء معيّن، فلن يكون لوجودها مبرر. وإن كانت الفلسفة موجودة، فلأن لها محتواها الخاص.

الأمر في غاية البساطة: الفلسفة مبحث يضاهي المباحث الأخرى إبداعاً، وابتكاراً، وهي تتمثل في إبداع المفاهيم أو ابتكارها. المفاهيم لا وجود لها جاهزة محلّقة في السماء في انتظار فيلسوف يُمسك بها. المفاهيم، ينبغي صناعتها. وبطبيعة الحال فهي لا تُصنع كيفما اتفق. فنحن لا نقول يوماً في أنفسنا «الآن، علينا أن نبتكر مفهوماً»، مثلما أن الرسام لا يقول يوماً في نفسه «هيّا، عليّ أن أرسم لوحة على هذا النحو»، أو السينمائي «هيّا، عليّ أن أصوّر هذا الفيلم». ينبغي أن تكون هناك ضرورة لذلك. سواء في الفلسفة أو في غيرها، وإلاّ فلا شيء إطلاقاً. المبدع ليس قسيساً يعمل بدافع المتعة. المبدع لا يصنع إلا ما هو في أمسّ الحاجة إليه. يتبقّى أن هذه الضرورة- التي هي أمر بالغ التعقيد إن وجدت- تجعل الفيلسوف (هنا أعرف على الأقل بماذا يهتم) ينبري لابتكار المفهومات وإبداعها، وليس للتفكير في شيء آخر، وإن كان في السينما. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا