• الأربعاء 03 ربيع الأول 1439هـ - 22 نوفمبر 2017م

أركيولوجيا لمعرفة الآخر والسيطرة عليه

الاستشراق باعتباره «حفريات»!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 يناير 2017

د. خزعل الماجدي

منذ البدايات المبكرة جداً للاستشراق وحتى يومنا هذا كانت مسيرة الاستشراق تمضي بقوة بالخطوات المتتابعة الآتية (الاتصال بالشرق ودفع أذاه، التقرب منه، أخذ ثقافته وعلومه، التفوق عليه، إطلاق الأحكام الاستشراقية عليه، بدء الاستشراق العلمي مع بداية القرن التاسع عشر، توسعه وتخصصه، انتقال الاستشراق إلى رؤية علمية استشراقية في النصف الأول القرن العشرين، نهاية الاستشراق القديم، ظهور الاستشراق الجديد بهدف أديولوجي واضح هو بلبلة الشرق وتفكيكه)، كل هذه المراحل كانت نوعاً من الحفريات (الأركيولوجيات) المتصلة بوسائل مختلفة لروح وعقل وجسد الشرق.

بعد أن امتلك الغرب إبان عصر النهضة وعصر الصناعة الوسائل الكافية لإجراء مثل هذه التحريات العلمية (الحفريات) وتصنيفها وتبويبها ويبدو لنا العدد الهائل من الكتب التي كتبت حول الشرق الأدنى مثلا (مابين 1800-1950)، والتي بلغت 60.000 كتاب تأكيداً لعمليات الحفر المتصلة، والتي انتهت أو تضمنت السيطرة على هذا الشرق ووضعه في أرشيف المعلومات الجاهزة في أية لحظة للاستخدام لاجتياحه أو لتحريك عوامله أو لتنفيذ العمليات الجراحية، التي يقوم بها عادة الجراح الطبيب العالم الغربي على اعتبار أن هذا الشرق رجل مريض مُعدي، أما أن يشفيه الطبيب الغربي، أو يأخذ منه ما يحتاجه من الدم والأعضاء وقطع الجسم الأخرى الصالحة للاستعمال، والتي تنفع الإنسان الغربي، ثم لتأتِ بعد ذلك رصاصة الرحمة. إن «الاستشراق هو جهاز ثقافي، هو عدوانية ونشاط ومحاكمة وإرادة للحقيقة، ومعرفة والشرق وُجد من أجل الغرب، أو هكذا بدا لعدد لا يحصى من المستشرقين، الذين كان موقفهم من الموضوع الذي اشتغلوا عليه أما أبوياً أو متعالياً.» (1)

وبالرغم من إن الاستشراق قد قطع شوطاً طويلاً عندما وصل إلى (سلفستر دي ساسي) و(رينان)، لكنه اتخذ على يديهما شكلاً منظماً ومدروساً، فقد عمل (دي ساس) أولاً على حصر كتلة الشرق الهلامية بين يديه، ثم دونها في نصوص، وبذلك بدأت أول إجراءات الحفار المعرفي (الابستمولوجي) الغربي، الذي طوّع الشرق واستطاع أن يحصره ويحدد خارطته المعرفية، ويؤشر خطوطها «لقد تمثلت أصالة ساسي بالنسبية في كونه قد عالج الشرق بوصفه شيئاً ينبغي أن يُرمّم، ليس بسبب فوضى الشرق الحديث بحضوره السرابي وحسب، بل وكذلك، بالرغم منه، لقد موضع ساسي الغرب في الشرق الذي كان موضع في المعرفة العامة والمعرفة الحديثة، لذلك ينتمي الاستشراق إلى تراث البحث العلمي في أوروبا.. غير إن مادته كان ينبغي أن تُخلق من جديد على يد المستشرق قبل أن تصبح قادرة على دخول الرواق جنباً إلى جنب مع الهيلينية واللاتينية.»(2)، والجملة الأخيرة تشي بكل سلوكية الغرب فهو لا يستطيع فهم الآخر، حتى في ماضيه، إلا إذا طوّعه وقدمه بنص أو صيغة أو خطاب (إنشاء) من وضعه هو.

ترويض الفريسة

تدخل النصوص الحقيقية في المتاحف ودور المخطوطات أما النصوص الفاعلة في حياة الغرب العلمية والجامعية واليومية (الإعلامية وغيرها) فيجب أن تكون من صنع الغربي نفسه، فهو الذي يقدمها أو يعملها، وهذا يعني مسك الفريسة وتقييدها وترويضها بطريقة معينة. أما إرنست رينان فقد قام حقاً بالخطوة اللاحقة، لقد حول النصوص (التي طوّعها وصنعها دي ساس) إلى خطابات، وأول إجراء خطابي ذكي كان عبر إجراء (فقه اللغة)، وكانت هذه الخطوة هي الخطوة الريادية لرينان في صنع خطابات فقه لغوية عن الشرق، وذلك من خلال مقارنات اللغة السامية بالآرية «فإنه في كل موضع آخر من عمله يبرهن على إن لغاته (الشرق) الشرقية، السامية، لا عضوية، متعطلة النمو، مستحاثة بشكل كامل، وعاجزة عن أن تجدد حيويتها وقوتها، وبكلمات أخرى يبرهن رينان على أن السامية ليست لغة حية، وأن الساميين في نهاية المطاف ليسوا مخلوقات حية، وعلاوة، فإن اللغات والثقافات الهندو- أوروبية حية وعضوية بسبب المختبر لا بالرغم منه.»(3). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا