• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

«يوميات خريج عاطل» أولى بواكير الإعلامي عمران محمد

رواية تشخيص الخطاب الثقافي المأزوم بأكثر إشكالياته تعقيداً

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 07 يونيو 2014

محمد وردي (دبي)

صدر حديثاً عن دار «ورق» للنشر والتوزيع، رواية «يوميات خريج عاطل» للإعلامي الشاب عمران محمد. وهي أولى بواكيره الروائية، وتتألف من ستة فصول، موزعة على خمسمائة وثلاثين صفحة من القطع الوسط.

الرواية تحكي قصة صديقين، أحدهما عامر وهو خريج قسم التاريخ، والآخر هو سلطان خريج قسم علم النفس، ولكنهما لا يعثران على عمل طيلة عام ونصف العام من التخرج، ما يجعلهما من مدمني المقاهي واحتساء «الكابتشينو» بصحبة النارجيلة، حيث يمتد حبل الدردشة، ويطول شريط الكلام، وربما الخصام حول الأفكار، التي يسعيان لمناقشتها في محاولاتهما الدؤوبة للخروج من حالة البطالة، التي تقض مضجعهما، خاصة منهما بطل الرواية (عامر) الذي تقف أمه له بالمرصاد صبح مساء بالتحفيز حيناً، والتوبيخ معظم الأحيان، بسبب عجزه عن تأمين الوظيفة، التي تعيلهما بدلاً من خاله سعيد الذي يتحمل هذا العبء عنه، بحكم الواجب والتزام الأخ الأخلاقي حيال أخته لا أكثر، الأمر الذي يدفعه دفعاً للفرار من البيت إلى الطرقات في كل الأوقات، خصوصاً خلال فترة ما قبل الظهر.. أما خلال فترة المساء والسهرة فكان عامر يقضيها بالغالب مع سلطان في المقهى حتى ما بعد منتصف الليل.

العنوان «يوميات خريج عاطل» بدا مبتوراً، أي غير مكتمل المعنى، ذلك لأن صفة أو حال الخِرّيج تُرك مضافاً، ما يجعله مفتوحاً على دلالات عدة، منها البطالة، ومنها العُطْلُ أو التعطيل غير القابل للإصلاح، وقد تذهب الدلالات إلى العطالة بالمعنى الأخلاقي، وربما أبعد من ذلك. وهذا التعدد بالدلالات هو مقصود بالتأكيد من قبل الكاتب. فالكاتب عندما يتكئ على موضوعة البطالة وإدمان المقهى والنارجيلة، في البناء الروائي للشخصيات والأحداث، لا يسعى لمقاربتها ومعالجتها روائياً بالمعنى الاجتماعي، لذلك بدا السرد غائباً عن تناول تفاصيل أسرة سلطان، البطل الثاني في الرواية، أو أسلوب حياته في المنزل أو علاقاته الأخرى بعيداً عن عامر. كذلك الأمر بالنسبة إلى حَصّرِ أسرة البطل عامر بشخصيته وشخصية الأم فقط. وعندما أراد الكاتب أن تتشعب البنية الروائية إلى مستويات أخرى من السرد والشخصيات، وجدنا أن شخصيتي عامر وسلطان انفتحتا على شخصيتين، هما بمثابة عنوانين لقضيتين ثقافيتين، هما من أخطر ما تواجهه الثقافة العربية في الوقت الراهن.

الشخصية الأولى هي شخصية جون، وهو أكاديمي أميركي يُعَلِّمُ البرمجة اللغوية العصبية في إحدى الكليات، فيسعى الكاتب لبناء شخصيته بالمتن الروائي، من أجل وضعه بمقابلة ثقافية مع الشخصية العربية، من خلال البطل عامر، الذي يتدثر بكرهه للأجانب لمداراة فشله وعجزه في تأمين الوظيفة، رافضاً فكرة الاستعانة بالأجنبي للعثور على وظيفة أو عمل في وطنه. ولكن المقابلة بين الشخصيتين، رغم المواجهة الثقافية المقنعة، ليس غرضها إبراز إشكالية الهُوية الثقافية فقط، وإنما أرادها أن تكون بمثابة مرآة ليرى البطل ذاته، في محاولة للإضاءة على الخطاب الثقافي للشخصية العربية الراهنة، وإبراز النزعات الصدامية الكامنة فيها مع الآخر.

يعلق البطل (عامر) في سياق الحوار مع جون، حول تحريم البوذية ذبح الحيوانات كونها مخلوقات ربانية، بأن البوذيين جهلة وعبدة الأصنام، ويعقب على نفسه بحوار داخلي أو ذاتي بنهاية الحوار مع جون، بآخر فقرة من الصفحة71، فيقول: «شعرت وأنا أنطق بردي ذاك بأنه لو تحول إلى وجه بشري، وعُرض على المرآة، لتشقق زجاجها من فرط قبحه وركاكته».

الشخصية الثانية هي شخصية خلفان، النموذج المثالي لأحادية التفكير المغلقة الذي يعبر عن الموقف الديني السائد برؤية ماضوية، لا تُعير الواقع أدنى مقاربات، فيستخدم مفردات العصور الوسطى ويعيش بأدواتها، متجاهلاً تدحرج التاريخ بعيداً في الزمان والمكان، بعماء تجاهله معطيات الحداثة وما حتمته من شروط إنسانية على كل المستويات الدينية والأخلاقية، حيث يعبر عن شخصيته (بنهاية صفحة 178) خلال الرد على عامر الذي حاول أن يُذَكِرَهُ بقاعدة «لا إنكار فيما أختلف فيه»، فيرد عليه بقوله: «يبدو أنني وقعت بين اثنين من الذين يحاولون التفريط بمسلمات ديننا باسم التيسير في الدين، بل ربما باسم التنوير والحداثة».

وعلى هذا الأساس لم يشكل الموضوع أو المكان في الرواية ثيمة أدبية للبناء الدرامي، وإنما هما مجرد دُثار تقنع به الكاتب، لطرح رؤى وأفكار ثقافية، سعت خلال العقدين الأخيرين لتشخيص قضايا ثقافية بحتة، مثل مشكلات التشدد أو التطرف والعنف أو الإرهاب، أو غياب ثقافة التسامح، وهي سمات طغت على الخطاب الثقافي بقوة في الآونة الأخيرة، بحيث بدت وكأنها وباء يجتاح أدنى مفهوم للعقلانية أو المنطق في الفكر العربي والإسلامي المعاصر.

كذلك يتكئ الكاتب على موضوعة البطالة، والمقهى والنارجيلة، وضرورة الإقلاع عن التدخين، للإطلالة على علم «البرمجة اللغوية العصبية»، الذي يلقى هوى لدى الشباب في العقدين الأخيرين، لأنه يعزف على أوتار ما يمكن أن نسميه «صناعة الحلم»، في زمن ضاقت به فسحة الأمل.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا