• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

الضبابية والرمادية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أكتوبر 2016

في التعاملات اليومية التبادلية تتزايد تحديات الالتزام بالتفعيل والإنفاذ والوفاء مكاناً وزماناً، وإيجاباً وقبولاً، وفق القول المرصود، والعهد الموعود، والكتاب الموثوق، بين أصحاب المعاملات، حتى أضحت قضية مجتمعية، ومن أهم الإشكاليات الحياتية.

ولنا أن نرصد عدد القضايا والمنازعات المدنية والتجارية والأسرية والعمالية، لندرك إلى أين وصلنا في معدلات الخلافات، والشعور بعدم الرضا، والإحباط، واختلال ميزان الثقة والمصداقية بسبب الهُوَّة السحيقة بين القول والفعل، ونتيجة مباشرة للفجوات اليومية بين استحضار نية التفعيل بغرض الأداء والوفاء، أو التركيز على جميل اللسان وحلو الكلام هروباً من السؤال والأفعال، وهذه قضية خطيرة.

والراصد بدقة للخطاب اليومي بين شركاء الحياة في الكثير من محتواه وقنواته ومفرداته سيجد اللغة الرمادية حاضرة وبقوة، والأفعال الضبابية سائدة وبضراوة، وبناء عليه فقد يجد المرء ذاته في طريق يجتاحه الضباب ولا يتعدَّى مدى الرؤية فيه بضع خطوات، فلا المعالم واضحة، ولا النهاية معروفة، ولا المهام والمواعيد والآجال محددة ومجدولة ومُعلنة، يقول الشاعر محمد المقرن: نبني من الأقوال قصراً شامخاً والفعل دون الشامخات ركام.

وما بين ضبابية القول ورمادية الفعل تحلُّ التنبؤات والاستنتاجات والانطباعات محلَّ الوقائع والحقائق واليقين المبين، وتأتي النزاعات السلبية طاردةً لكل الوعود والعهود والطموحات الإيجابية، وتأتيك تصرفات ورسائل ودلالات خادعة في مظهرها نبيلة في حروفها وكلماتها، لكنها هزيلة في مرادها، فبعضهم يخبرك بما ينافي حقائق كامنة في نفوسهم، لأن القلوب والنوايا لا يعلمها إلا علام الغيوب جل في علاه، وأياً كان تأثير الكلمة المبهمة لن تكون بسوء الفعل المراوغ، تماماً كإخوة يوسف عندما ألقوه في بئر سحيق وجاؤوا أباهم عشاءً يبكون، ومعهم قميص يوسف {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} [يوسف: 17]، فعل ضبابي ماكر يُخفي حقيقة مريبة في قلوبهم نحو أخيهم.

اللغة الضبابية فيروس، كلماته مُبهمة مُستترة لا يُعرف القصد منها، ولا يمكن بناء استنتاج قاطع عليها، ولا تُقدِّم إجابة واضحة محددة، وهي من أبجديات البعض لطمس الحقائق كما يقول جورج أورويل: «أعظم أعداء اللغة الواضحة هو الرياء»، ولها أثر سيئ في تلويث الفكر وتضليل العقل وإيذاء القلب، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»، فكما أن إهمال الإنسان لنظافة لسانه يؤدي إلى تراكم الجراثيم بنسبة 50% في فمه ما يؤدي إلى تسرب الأمراض إلى جسده، فإن عدم استقامة اللسان في القول قد يؤدي إلى أمراض، ولكنها أمراض من نوع آخر تسيء إلى القلب، وتمرض النفس منه وتعتلُّ، ويصبح الإحباط والتراكمات السلبية المثبطة أشد فتكاً من الأمراض الجسدية العضوية.

لقد تعلمنا على مقاعد الدراسة أن أقرب مسافة بين نقطتين هو الخط المستقيم الواصل بينهما، وكذلك أقرب مسافة بين المرسل والمتلقي الفكرة البيِّنة الشافية الكافية الوافية بمداد النقاء بلا شائبة، والأداء المتقن والتعامل الحاذق الصادق المنزه عن الهوى وأمراض النفس، وحين كلف الله عز وجل خير المرسلين لإيصال الرسالة، بعث معه كتاباً بلسان عربي مبين، لتصل الرسالة كاملة وتتضاءل احتمالات سوء الفهم والتأويل، وبناء قرارات على معلومات مضللة، لتتحقق المعرفة اليقينية، وتتحرك عجلة التقدم والتطور في المجتمعات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الأحزاب: 70,71].

الدكتور عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا