• السبت 23 ربيع الآخر 1438هـ - 21 يناير 2017م

ميزان العدالة

عشرة شياطين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 06 يونيو 2014

تداخلت الأصوات في قاعة المحكمة المزدحمة، فلا يمكن تمييز صوت عن آخر، مثل طنين النحل، كل واحد مشغول مع من يحادثه، الموضوعات شتى ولا شيء يجمعهم غير المكان، يجلسون بلا انتظام، منهم من يتجه إلى الخلف ومن يجلس فوق المنضدة والواقف والمتكئ، وفي القفص الحديدي سبعة من الرجال وثلاث من النساء بملابسهم البيضاء التي تؤكد حسب لوائح السجون انهم متهمون على ذمة القضية ولم يتم الحكم عليهم بعد، كانوا جميعهم واقفين يتجهون مصطفين نحو القاعة كل واحد منهم يتحدث مع قريب أو ابن أو زوجة، يطمئن على أحوال الآخر، المتهمون يبدون مخاوفهم من الأحكام التي لا يعرفون ماذا ستكون، أقاربهم يحاولون أن ينقلوا إليهم تطمينات حسب أقوال المحامين لكن لا أحد يستطيع أن يتوقع سير الأمور.

يدخل الحاجب القاعة وبمجرد أن يطل برأسه وهو يحمل أوراق القضايا يعرف الحضور أن الجلسة ستبدأ في غضون دقائق معدودة، فيتخذ كل واحد مكانه، ثم يختفي الحاجب لدقيقة أو دقيقتين أمام غرفة المداولة ويعود وينادي بصوته الجهوري «محكمة»، فيخرج القضاة الثلاثة بالأوشحة القضائية المعروفة ومعهم ممثل النيابة، يتخذون أماكنهم ويقول رئيس المحكمة، بسم الله الرحمن الرحيم فتحت الجلسة، وينادي أمين السر على المتهمين في القضية المنظورة كل واحد باسمه ليثبت حضوره وحضور محاميه، فيجيبون بأصوات خافتة بالكاد تصل إلى الأذن، وتبدأ الإجراءات، يوجه إليهم القاضي سؤالاً جماعياً مباشراً: أنتم متهمون بقتل «عماد وكمال عمداً مع سبق الإصرار والترصد والسرقة»، فيردون في صوت واحد: لم يحدث.

يطلب رئيس المحكمة من وكيل النيابة أن يبدأ مرافعته، فيدخل في صلب موضوع القضية، ويشير إلى المتهمين وهم في قفص الاتهام وهو يفرد إصبعه السبابة ويقول إن هؤلاء شرذمة من البشر، لا توجد في قلوبهم ذرة من الرحمة ولا يعرفون الإنسانية، تجردوا من كل المشاعر والأحاسيس، عاثوا في الأرض فساداً، روعوا الآمنين، واستحلوا الأموال، اكلوا الحرام وارتكبوا الموبقات، نهبوا وقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، بثوا الرعب في القلوب واصبحوا رمزا للإجرام على الطريق يضرب الناس بهم المثل.

سيدي الرئيس، إن هؤلاء المتهمين، سلكوا طريق الشيطان واتبعوه، لكنهم بعد ذلك تفوقوا عليه وغلبوه، خططوا وسلكوا السبيل المعوج، رفضوا أن يكونوا مواطنين صالحين يعملون ويكسبون بالحلال، فاتجهت انفسهم الخبيثة إلى المال الحرام والكسب السريع على حساب دماء الأبرياء، لقد اتفقوا على السرقة والقتل، واتخذوا من النسوة الثلاث وسيلة للإيقاع بضحاياهم، صنعوا منهن فخاخاً للرجال الذين يتحلون بالشهامة، حيث يقفن على الطريق ويدعين أنهن انقطعت بهن السبيل ويطلبن من قائد السيارة أن يتكرم ويقوم بتوصيلهن إلى أقرب مكان، ولا يرتضي أي رجل لنفسه أن يترك امرأة في الصحراء القاحلة ويستغلون فعل الخير ويقدمون مقابله الشر، وما أن يتوقف قائد السيارة على الطريق وقبل أن تتخذ المجرمات الثلاث أماكنهن في السيارة، يظهر بقية المتهمين بأسلحتهم، ويخرجون من خلف الصخرة الكبيرة ويشهرون أسلحتهم في وجه ضحيتهم، ويخيرونه بين ماله وحياته، يجبرونه على النزول والتجرد من كل ما يملك، يتركونه في هذا المكان ويفرون ويختفون مثل الحيات في الجحور.

وفي الثالث والعشرين من نوفمبر الماضي، وبينما كانت الرياح تهب وتحمل الرمال، الرؤية غير واضحة والأجواء غير طبيعية تنذر بقدوم الشتاء، وعقارب الساعة تشير إلى حوالي الثانية عشرة ظهراً، في هذا الوقت يندر مرور السيارات على هذا الطريق، لأن مستخدميه والمسافرين يفضلون البكور، لأن الطريق جديد ولم يتم افتتاحه بعد، والخدمات ليست متوفرة عليه بالشكل المطلوب، وهذا ما جعل هؤلاء المجرمين يستغلون تلك الظروف، فخرجوا ليفعلوا فعلتهم التي اعتادوا عليها، وقفت الشيطانات على جانب الطريق متشحات بالسواد يخفين وجوههن كأن الحياء يمنعهن من كشفها، وما إن ظهرت السيارة القادمة من بعيد حتى اتخذن موضعهن، وما أن اقتربت حتى أشارت إحداهن لقائدها، فكر قليلاً أن يكمل سيره وتخوف من التوقف، تبادل أطراف الحديث مع صديقه الذي يجلس بجواره، بالطبع كلاهما استنكر أن تأتي امرأة إلى هذا المكان في هذا الوقت، لكن ليس هذا هو المهم وليس موضوع الخلاف، المهم إنقاذهن ومساعدتهن، ورغم أن السيارة تخطتهن بعدة أمتار، لكن عماد توقف وعاد إلى الخلف إليهن مرة أخرى.

تقدمت إحداهن إليه معتذرة عن الإزعاج، بينما الثانية تقف أمام السيارة حتى لا يستطيع التحرك بها وكأنها تنتظر ما سيسفر عنه الحوار، وقامت الثالثة بفتح الباب الخلفي وادعت أنها تبكي لتستدر العطف وتخفي الحقيقة إلى أن خرج بقية الشياطين بأسلحتهم التي أشهروها وأطلقوا عدة رصاصات في الهواء لإرهاب الشابين، أمروهما أن يقدما كل ما معهما من أموال وهواتف وترك السيارة، حاول الشابان المقاومة ورفضا الانصياع لهذه الأوامر، لكن ما حيلتهما أمام مجرمين عتاة بأسلحة رشاشة، حوار حاد قصير انتهى بإطلاق النيران الكثيفة، وسقط الشابان على الأرض جثتين هامدتين، أحدهما لفظ أنفاسه على الفور بينما الثاني تم نقله إلى المستشفى وفارق الحياة بعد أن أدلى بأقواله وأوصاف المجرمين وتفاصيل الواقعة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا