• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

البيوت أسرار

انهيار الأحلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 06 يونيو 2014

مثل الفراشة أتهادى بين الأشجار، ومثل النحلة أطير بين الزهور وأتنقل هنا وهناك، رغم صغر سني فلم أتجاوز السادسة إلا أنني كنت أختار ملابسي بنفسي، ومع ذلك كان اختياري يلقى استحسان الجميع، مدللة من أسرتي لأنني البنت الوحيدة بين أربعة أولاد، أحظى باهتمام ورعاية الجميع، أجذب الأنظار في أي مكان أتواجد فيه، فملامحي غير عادية بسبب الشعر الأصفر والبشرة الشقراء، كثيراً ما يظن من يراني ولا يعرفني أنني أجنبية، أمي تخاف عليّ من الحسد لأن العيون في الغالب لا تتحول عني، في أي حفل أكون محل اهتمام الحضور، الجميع يريدون الحديث معي، وأنا أتهرب منهم وأواصل اللعب مع الصغار أو أجلس لأستريح بجوار أمي.

استيقظت ذات ليلة من النوم بسبب ارتفاع شديد في درجة الحرارة، وجاءت أمي إلى غرفتي بعد أن سمعت أنيني، وساءت حالتي الصحية ولم تفلح معها كمادات الماء البارد وبعض المسكنات المتوافرة في المنزل، وتوجه بي أبي إلى الطبيب الذي فحصني وقدم لأبي الوصفة الطبية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالأدوية في مواعيدها؛ لأن الأمر جد خطير ولا يحتمل أي تهاون، وهنا سالت دموع أمي عفوية وهي تمسح على رأسي وما زلت أتوجع من الألم الذي اشتد بي، ولم أعد قادرة على المقاومة ووصلت بي الحال إلى الصراخ، وحتى بعد أن تناولت الأدوية لم يحدث أي تحسن يذكر.

بعد ثلاثة أيام، حملني أبي إلى طبيب آخر ولم يختلف كلامه كثيراً عن الأول وقدم أدوية مختلفة، لكنها هي الأخرى لم تحقق الشفاء، بل حدث انقلاب كبير في حياتي رأساً على عقب فقد كانت النتيجة أنني أصبت بشلل في الساق اليمنى، وتم إيداعي أحد المستشفيات لأشهر عدة أتلقى جلسات العلاج ولا أفهم ما يدور حولي، من أحاديث أفراد أسرتي ومن المعالجين وأقاربي الذين يأتون لزيارتي، كل ما أفكر فيه أنني ما زلت أعاني الآلام التي لا أقوى عليها وقد أصابني الهزال وظهرت نحافة جسدي الهزيل، كل ما يهمني أن تخف حدة هذه الآلام، وأظن أن الحالة قد تستمر بعض الوقت وأعود لأمرح وألعب وأقفز كما كنت من قبل، وما جعل الأمل يأتيني أن درجة حرارة جسدي انخفضت وبدأت الأوجاع ترحل، وانتظر أن تشفى ساقي لأواصل حياتي كما كنت، ولما عدت إلى المنزل، لم افهم سر البكاء المستمر والدموع التي لا تفارق عيني أمي، ولا العبوس والحزن الذي كان يكسو وجه أبي، والتفسير الوحيد عندي أن ذلك بسبب حبهما لي.

كانت هناك رحلة أخرى في انتظاري لم أكن أعرفها أو أفكر فيها فكل ما أتوقعه أنني بعد ذلك سأعود إلى طبيعتي، لكن ما حدث كان بخلاف ما يدور في رأسي، هذه الرحلة كانت في العلاج الطبيعي الذي قال الأطباء إنه قد يستغرق عدة أشهر وربما يمتد إلى عام والأخطر قد لا يأتي بالنتيجة المرجوة ولم أدرك حينها ماذا يعني هذا التعبير «النتيجة المرجوة» ولا أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، وكانت رحلة معاناة، يحملونني كل أسبوع مرتين إلى اختصاصي العلاج الطبيعي على مدى سنة كاملة وأكثر بلا أي تحسن، وكانت النتيجة الصادمة بأنه لا أمل في الشفاء، ولا بد من الاستعانة بعصا لأتوكأ عليها وأستند عند التحرك أو الخروج، بالطبع تأثرت بذلك نفسياً ليس لأنني افتقدت ما كنت أفعله من قبل ولم أعد قادرة على اللعب الذي أحبه مثل كل الصغار، ولكن لأنني أصبحت معاقة.

تسبب المرض في تأخري عن الالتحاق بالمدرسة في هذه السنة، فكنت في العام التالي الأكبر سناً بين زملائي وزميلاتي، لكن هذا الفارق العمري غير ظاهر بسبب الظروف المرضية التي مررت بها، وما زلت أعاني من آثارها التي لن تفارقني طوال حياتي، منعني العجز عن الحركة من التواصل مع الصغار، وقليلون منهم من يقتربون مني وقد يتباعدوا مرة أخرى لأنهم لا يجدون معي متعة اللعب التي يبحثون عنها، صحيح أن ذلك كان يؤثر على حالتي النفسية ويتجدد هذا التأثير كلما التقيت مع أشخاص غرباء أو لا يعرفونني فأجدهم أولاً يصفونني بأفضل الصفات ويثنون على جمالي غير العادي، لكن ما يلبثوا أن يضيعوا ذلك بكلمة عندما يكتشفون أنني لا أتحرك بشكل طبيعي فيتعجبون ويقولون إني «مشلولة» وهذا الوصف أكثر ما يؤلمني ويجدد متاعبي النفسية التي كلما حاولت أن أتخلص منها يعيدونها إليّ.

هذه الأوصاف الموجعة وكلمات الشفقة أصبحت تتكرر في كل موقف ربما بصورة كربونية وتعودي عليها جعلني بعد ذلك لا ألقي لها بالاً، أحاول أن أتجاهلها لكن مع ذلك لا أستطيع أن أتجاوزها أو أتخلص من تأثيرها على حالتي النفسية، والغريب أن الناس كلهم يفعلون الشيء نفسه في كل مرة، لا ينقصني إلا أن أضع لافتة على صدري وأخرى على ظهري أقول فيها إنني معاقة، فلا تتعجب من فضلك، ولا تجرح مشاعري حاول أن تتحفظ في كلامك عني، ولا تُسمعني رأيك ولا تعلق على حالتي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا