• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

رؤية.. ورؤيا

ماذا نفعل بكل هؤلاء الغرباء؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أكتوبر 2016

عبد السلام بنعبد العالي

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا

نحن الضيوف وأنت رب المنزل

كنت دائماً أجد في اللفظ الفرنسي hôte، الذي يعني في الوقت ذاته، الضيف والمُضيف، علامة على ثراء لغة، وسموّ ثقافة، ورفعة منزلة، ودماثة خلق. أن تذهب اللغة إلى التوحيد بين المعنيين، وألاّ يميّز المرء بين الضيف والمضيف، بين صاحب البيت والوافد عليه، إن هذا لعمري أرقى درجات السخاء، ومنتهى أشكال الكرم. غير أن اللغة ليست دوماً «بنية سفلى» كما زعم ستالين، والأقوال لا تؤسس الأفعال على الدوام. يشهد على ذلك ما أصبحنا نلحظه، في بلد فولتير على الخصوص، من إحساس بالضجر والتضايق من جميع الوافدين، بل من تأفف حتى ممن يشاركون الفرنسيين أرض المولد. وهكذا أصبح السؤال: «ماذا نفعل بكل هؤلاء «الغرباء»؟ رائجاً هذه الأيام عند كل الأفواه، ليس عند اليمين المتطرف وحده، بل حتى عند من كانوا يحرصون، حتى وقت قريب، على «سياسة» ألسنتهم.

كان المفكرون الفرنسيون من بين أوائل الذين سعوا إلى نحت مفهوم لا يرقى إلى مفهوم الضيافة، لكنه يشكل بديلاً منه هو مفهوم «التسامح». وقد استطاع هذا المفهوم أن يجد مكانه في الثقافة الأوروبية على العموم، وفي بلد فولتير خاصة، إلاّ أنه، كما نعلم، ظل يحمل في طياته أسباب تعثره، وعلامات حدوده. وقد حاول جاك دريدا، أن يعلّل ذلك فرده أساساً إلى كون مفهوم التسامح ظل يحمل رواسبه الدينية الضيقة التي ترعرع في حضنها، فقد «تركت الحروب الدينية التي دارت بين المسيحيين، أو بين المسيحيين وغير المسيحيين، بصماتها على كلمة التسامح، فالتسامح فضيلة مسيحية أولاً وقبل كل شيء، أو قل فضيلة كاثوليكية على وجه الخصوص»، ثم إن التسامح، يضيف المفكر الفرنسي ذو الأصول الجزائرية، «مهما قلنا، ومهما تحفظنا، يجيء دوماً من جانب الأقوى»، إذ إنه دوماً تأكيد لسيادة. فكأن المتسامح يقول: «سأغض الطرف عن كثير من الأمور، وسأفتح لك أبواب بيتي، إلا أن عليك أن تتذكر دائماً أنك في بيتي».

يسمح مفهوم التسامح إذاً بالحدّ من لامحدودية الضيافة. التسامح ضيافة، لكنها ضيافة محدودة. أكون متسامحاً عندما أستضيفك وأظل في الوقت ذاته «صاحب البيت»، أظل متمسكاً بالحفاظ على سيادتي ونفوذي وكل ما يتعلق بموطني وبيتي وديانتي ولغتي وثقافتي.. أنا أستضيفك، لكن ليس الضيافة بمعنييها. إني أفتح بيتي متسامحاً، ولكن شريطة أن يلتزم الوافد بمعايير حياتي، بلغتي وتشريعاتي.. بل بمأكلي وملبسي. عليه أن يتمثل ثقافتي، ويعرف جغرافيتي وتاريخي، و«يتطهر» من كل ما يشكل غربته عني. معنى ذلك أنني لا أتحمل «الضيف»، لا أتحمل الغريب والآخر، إلا في حدود معينة، إلا وفق شروط. التسامح ضيافة مشروطة، إنه نصف ضيافة، ضيافة متخوفة، ضيافة متحفظة، ضيافة سيّد لمسود، ضيافة حذرة غيورة على سيادتها، فهو إذاً ليس ضيافة.

ذلك أن الضيافة لا تكون كذلك إلا إذا كانت منفتحة على ما لا يمكن توقّعه، إلا إذا كانت منفتحة على غرابة الغريب، إلا إذا كانت متقبلة للضيف وما يضيفه. إنها لا تكون ضيافة إلا إذا كانت زيارة، وليست إقامة تحت شروط، أو تلبية لدعوة واستجابة لطلب. إذا كان التسامح ضيافة مقننة، ضيافة «مسيّجة»، ضابطة لقواعد الاستقبال، معقَّمة ضد فيروسات الآخر، مسلَّحة ضدّ ما فيه من غرابة، فإن الضيافة «الخالصة» انفتاح على ممكنات، ومخاطرة. إنها متفتحة على الغريب متطلعة لما فيه من غرابة.

هذا التطلع هو نوع من الشوق، من الاشتياق للآخر، والنظر إليه كبعد من أبعاد الذات، وكامتداد للأنا، وهو مراجعة لا تنفك لما يُتوهم أنه محددات وحدود للهوية، مراجعة تنتهي بأن ترى في كل «أنا آخر»، وتستعيض عن مفهوم الغريب l’étranger بالمفهوم الذي كان أحد النقاد الجزائريين اقترحه عند انتقاده لمؤلَّف كامو، أعني مفهوم «الغريب الذي يسكنني» L’intranger. آنئذٍ سيصعب على كل منا رسم الحدود بين الضيف والمضيف، وبناء الأسوار بين الأنا والآخر، وسيتعذر علينا جميعاً طرح سؤال من قبيل: «ماذا سنفعل بكل هؤلاء الغرباء؟»، ما دام كل غريب «غريباً يسكننا».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف