• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

في فمي قنبلة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أكتوبر 2016

أمل إسماعيل

«يا عْوِينة الشمس.. خُذِي سِنّ الحمار، وأعْطِني سِنّ الغزال» (1). أفعلُ ذلك كلّ مَرّة في يقينٍ مُطلق بأنني سأحظى بسِنٍّ جديدٍ أجملَ وأقوى، أتخلّصُ من آثار اللبن الذي احتملتُ طَعمهُ في فمي سِت سنوات، الآن أصبحتُ كبيرة، هل حظيتُ برؤية سن (2) الحمار أو الغزال مِن قَبل؟ ليس مهماً، رَدّدتُ الجملة التي طلبتها مني أمي كالببغاء عند شروق الشمس.. كانت عين الشمس وهّاجة وقحة، تكادُ تُعميني، لم تكن «عوينة» كما يفترض بها أن تكون، الشمس الباردة وَحدها هي شمسٌ تشرقُ بعد ليلة القدر، تتسلقُ دعواتِ المؤمنين إلى السماء، وتَتَنزّلُ عليهم الرحماتُ كنُتف الثلج التي نقرأ عنها في القصص المترجمة، في تلك البلادِ القطنية التي أنجبت جنية أسنان لتلتقط سِنّك اللبني وتهديكَ قطعةً نقديةً تضِنّ بها عليكَ عوينة شمسنا في حَريق البلاد.

استبدلتُ جُلّ أسناني، كائنات بيضاء لامعة استقرتْ في فمي، تُبادلني ابتسامة، أقضمُ الكلمات، ألوكها في فمي، تتشقلبُ فوق لساني وتحته، وعندما تستقر في معدتي، وَتتوزّع مُغذياتها في دمي، أشعرُ بأنني أولدُ من جديد. تعلمتُ نطق الحروف الأبجدية دونَ مشقةٍ تذكر، الراء تراقصُ اللام، والكافُ والقافُ تداعبان حنجرتي وتعدوان بلا قيود، أنا صغيرةٌ تتحدثُ لغة الكبار.

ورأيت كما يرى الكبار أفلاماً ليلية لم يمنعني أحدٌ عن مشاهدتها، شاهدتُ الفيلمَ مراراً وتكراراً حتى بتّ أتحسسُ أسناني صباح مساء في دهشة نومها البريء في فمي.. كانت جميلةً ووادعةً، تتسرّبُ من بين حَوافها الكلمات كأنها تغني، فكيف لها أن تسقطَ إذن! كنتُ أراها كلما أغمض لي جَفن تتساقطُ كعقدِ لؤلؤٍ ينفرطُ خَيطهُ الحريري تاركاً حباتِهِ تُصدِرُ ذلك الصوتَ الأشبه بحباتِ المطر في طَرحِها البكرِ على النوافذ. لم أخبر أحداً بذلك، خشيتُ أن أحترقَ في عوينة الشمس وحدي إذْ لا سِنّ لدَيّ لأبدِلَهُ هذه المرّة، الاستغناء عن أسناني مرادفٌ لموتِ الحروف على الشفاهِ الذّاوِيَة.

***

أقبضُ كفّي وأبسطها، كُراتُ الجَمرِ تنغرِزُ في أثناءِ الجلدِ المَحروق، وَهجُها يتدرّجُ من الاحمرار إلى البياض الناصع.. إنها أسناني التي أطلقَهَا بركان فَمي، إنها تتساقط! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف