• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

يغذيه وعي الحب في الإنسان

وهج الروحانية في وجه التعصب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 13 أكتوبر 2016

د. علي محمد فخرو

الإنسان في الأساس هو كائن روحاني، نفخ الله سبحانه وتعالى فيه من روحه الأبدية. فالجانب الروحي في تكوينه موجود حتى ولو خبا بين الحين والآخر أو تشوّه. وطرق ووسائل كل الحركات الروحانية هي محاولات لإصلاح ذلك التشويه أو لإنارة ذاك الذي أظلم؛ إذ أن الجانب الروحي في الإنسان قابل للسمو مثلما هو قابل للتراجع والسقوط.

إذن فإن ما عبر عنه المؤرخ الشهير أرنولد توينبي «بالحضور الروحي» موجود بمستويات متباينة في الإنسان، ليصل إلى أعلى مستوياته في التصوّف، تلك الحالة الروحية التي تزول فيها الحواجز بين الفرد والمطلق. ونحن هنا لسنا معنيين بذلك المستوى العالي من الحضور الروحي، إذ لاتصل إليه إلا قلة القلة من البشر المنتمين لكل الديانات. وفي جميع الأحوال فإن خصائص الحالة الروحية الصوفية، التي وصفها البعض بالإشراق العقلي النوراني أو بالإحساس بالخلود، أو بما لا يمكن وصفه بالكلمات، هي حالة فيها الكثير من الغموض الذي لن يفيدنا فيما سنطرحه.

نحن معنيون بالروحانية التي يمكن أن يصل إليها غالبية الناس، أي بمستوى الحضور الروحي الذي سيؤثر تأثيراً مباشراً وعميقاً في حياة البشر وفي تنظيم مجتمعاتهم، بحيث لا تنطلق من الفرد وجعله مركز الكون، ولا تجعل رغباته وحاجاته فوق حاجات الآخرين وحاجات بقية الكائنات، وإنما تنطلق من النظر إلى الكون كله، مادة وكائنات دنيوية وسماوية، تتعايش في انسجام وتناغم وتعاضد ضمن وحدة وجودية كما أرادها الخالق والموجد.

ذلك الحضور الروحي هو في جوهره سينمّي ويغذِّي وعي الحب في الإنسان لنفسه وللآخرين ولكل ما يحيط به، فالحب الداخلي سيعكس نفسه حباً خارجياً لكل الأشياء في محيط الإنسان، وعندما يترسَّخ هذا الوعي في الإنسان سيكون هو الممُر للانتقال إلى السلام والتعاون والتسامح والعدالة في التعامل مع الآخرين، كما سيكون دافعاً للابتعاد عن الفردية والأنانية والشكوك المتخيلة والطمع والتنافس المتوحش. هنا ستنضج تجربة تجاوز الذاتية وتسمو عليها.

إذن، فأول ثمار الحضور الروحي سيكون الوعي بالحب، لكن الحضور الروحي لا يوجد بصورة عفوية عند الغالبية من الناس، إنه يحتاج إلى من يزكيه وينميه ويرعاه ويوجهه. وهذه مهمة البيت والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة، وكل وسائل الإعلام والتواصل. هذه الوسائل والجهات إن لم تعمل كوحدة متفاهمة الأجزاء والأدوار، فإنها لن تنجح في تحييد الموجة العولمية في السياسة والاقتصاد والثقافة، التي تُشجع الفردية الأنانية المستقلة الممارسة لذاتية لا تعترف إلا برغباتها وحاجاتها وحدها. إنها فردية استهلاكية حسية نهمة تنميها عن طريق الإعلام والإعلان قوانين السوق وممارساته المادية المتوحّشة القائمة على التنافس والصراع والانتصار على الآخرين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف