• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

تلميذ أبي موسى الأشعري

عامر التميمي.. عابد البصرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 22 مايو 2015

القاهرة - الاتحاد

القاهرة(الاتحاد)

عامر التميمي، تابعي جليل، عاش متوازناً في حياته، وفي عبادته كان أرقى العابدين، وفي عمله أرقى المجاهدين، وفي صبره أشد الصابرين.

عاش التميمي في البصرة، وكان الصحابي أبو موسى الأشعري والياً عليها وقائد الجيوش فيها، وإمام أهلها، فلزمه في سلمه وحربه، وفي حله وترحاله، فأخذ عنه كتاب الله، وروى عنه الحديث النبوي صحيحاً، وتفقه على يديه في دين الله عز وجل، فلما اكتمل له ما أراد من العلم جعل حياته، شطراً في حلقات الذكر يقرأ القرآن الكريم في مسجد البصرة، وشطراً في خلوات العبادة ينتصب فيها قائماً بين يدي الله عز وجل حتى تكل قدماه، وشطراً في ساحات الجهاد يسل فيها سيفاً في سبيل الله، فهو في الجهاد تارة، وفي العبادة تارة، وفي طلب العلم وتعليمه تارة ثالثة، ولم يترك في حياته موضعاً لشيء غير ذلك، حتى دعي بعابد البصرة، وزاهدها الأول.

حشائش الأرض

قال أحد أبناء البصرة: سافرت في قافلة فيها عامر بن عبدالله التميمي، فلما أقبل الليل نزلنا بغيضة فجمع متاعه، وجمع فرسه بشجرة، وطول له زمامه، وجمع له من حشائش الأرض ما يشبعه، ثم دخل الغيضة وأوغل فيها، فقلت في نفسي والله لأتبعنه، ولأنظرن ما يصنع في أعماق الغيضة في هذه الليلة، فمضى حتى انتهى إلى رابية ملتفة الشجر، مستورة عن الأعين، فاستقبل القبلة، وانتصب قائماً يصلي، فما رأيت أحسن من صلاته، ولا أكمل ولا أخشع، ولما صلى ما شاء أن يصلي طفق يدعو ربه ويناجيه، فكان مما قال إلهي قد خلقتني بأمرك، وأقمتني في بلادك بمشيئتك، ثم قلت لي، استمسك، فكيف أستمسك إن لم تمسكني بلطفك يا قوي يا متين؟ قال البصري: ثم إنه غلبني النعاس فأسلمت جفني إلى النوم، وما زلت أنام واستيقظ، وعامر منتصب في موقفه، ماض في صلاته، ومناجاته حتى تنفس الصبح.

ولم يكن عامر راهباً من رهبان الليل فحسب، بل كان فارساً من فرسان النهار أيضاً، فما أذن مؤذن الجهاد في سبيل الله إلا وكان في طليعة من يجيب النداء، وكان إذا نهض مع المجاهدين وقف يتوسم الناس ليختار رفاقه.

الأموال والنفائس نزل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد القادسية في إيوان كسرى، وأمر عمرو بن مقر أن يجمع الغنائم ويحصيها، ليرسل خمسها إلى بيت مال المسلمين، ويقسم باقيها على المجاهدين، فاجتمع بين يديه من الأموال والنفائس ما يفوق الوصف، وفيما كان العمال يحصون هذه الغنائم على مرأى ومسمع من المسلمين، أقبل على القوم رجل أشعث أغبر، ومعه وعاء كبير، فنظروا في داخله، فإذا هو قد ملء بالدر والجوهر، فقالوا: أين أصبت هذا الكنز الثمين؟ فقال غنمته في معركة كذا، في مكان كذا، فقالوا وهل أخذت منه شيئاً؟ فقال هداكم الله، والله إن هذا الحق وجميع ما ملكته ملوك فارس لا يعدل قلامة ظفر، ولولا حق بيت مال المسلمين فيه ما رفعته من أرضه، ولا أتيتكم به، ثم تركهم ومضى، فأمروا رجلاً منهم أن يتبعه، وأن يأتيهم بخبره، فما زال الرجل يمضي خلفه، حتى بلغ أصحابه، فلما سألهم عنه، قالوا إنه زاهد البصرة، عامر بن عبد الله التميمي.

بيت المقدس

قضى عامر بقية حياته في بلاد الشام، واختار بيت المقدس داراً لإقامته، وحينما مرض مرضه الذي مات فيه دخل عليه أصحابه فوجدوه يبكي، فقالوا له: ما يبكيك وقد كنت وكنت؟ فقال: والله ما أبكي حرصاً على الدنيا، ولا جزعاً من الموت، وإنما أبكي لطول السفر، وقلة الزاد، ولقد أمسيت بين صعود وهبوط، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فلا أدري إلى أيهما أصير.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا