• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

ما نشهده في العالم العربي من زخم، وما يسمونه حراكاً سياسياً، ليس أصيلاً، ولكنه مصنوع في مصانع الغرب.. بدليل أنه يشتعل بالأمر وينطفئ بالأمر

من الوريد إلى الشريان.. المتغطي بأميركا عريان!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 12 أكتوبر 2016

محمد أبوكريشة*

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي انفردت الولايات المتحدة تماماً بالمنطقة العربية ولا نقول بالعالم كله لأن العرب منذ سبعين عاماً أو يزيد أو يقل رضوا بالتبعية، إما للشرق وإما للغرب، ولا أكاد أرى استقلالاً حقيقياً للدول العربية.. ربما تحررت الأرض، ولكن بقيت الإرادة والقرار محتلين.. ولا أحد يثور أو يناضل لتحرير قراره ومواقفه وإرادته، ولكنه يثور فقط لتحرير الأرض.. لا أحد يفطن إلى الاحتلال المعنوي.. أي احتلال الإرادة والقرار والمواقف.. بل إنه لا يعترف أبداً بأنه مأسور الإرادة والقرار والمواقف.

كان الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة يتبادلان دعم حكومات ومعارضات في الدول العربية.. فإذا دعم الاتحاد السوفييتي حكومة عربية موالية له.. تدعم الولايات المتحدة المعارضة في هذا البلد الموالي.. والعكس صحيح.. بمعنى أن التبعية كانت منهج الحكومات والمعارضات، وربما الشعوب أيضاً.. وكأن التبعية لدى العرب قضاء وقدر لا فكاك منهما.. وليس صحيحاً أبداً أن أي معارضة في الدول العربية كانت وما زالت وطنية وحرة الإرادة.. وليس صحيحاً أبداً كذلك أن أي حركة أو ثورة أو انقلاب في الدول العربية كانت وطنية وشعبية وتلقائية، والصحيح أنها جميعاً كانت مدعومة من الغرب أو الشرق قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، ثم من الغرب وحده وخصوصاً الولايات المتحدة بعد انهيار السوفييت.. والدليل الأقوى على ذلك هو اختفاء التقدميين والشيوعيين والمناضلين العرب بعد غروب شمس الاتحاد السوفييتي.. كل الثورات والانقلابات كانت مرسومة ومخططة ويتم تحضيرها في معامل الشرق والغرب.. وكانت كلها انقلابات وحروباً وثورات بالوكالة عن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

وبعد الانهيار السوفييتي أصبحت الولايات المتحدة هي اللاعب الوحيد في المنطقة العربية، تقرب من تشاء وتبعد من تشاء وأصبحت تدعم الضدين معاً.. الحكومات والمعارضات.. تدعم الحكومات، ولكنها تمارس الضغط عليها بدعم المعارضات، خصوصاً في دول الخريف العربي.. ولم تعد المعارضة المدعومة أميركياً من التقدميين أو الشيوعيين أو الناصريين أو اليساريين، ولكنها صارت معارضة من «الإخوان» والجماعات الإسلامية المولودة من رحم هؤلاء «الإخوان».. وأستطيع أن أزعم وأن أجزم بأن كل الجماعات التي تدثرت بالإسلام كانت كلها أو جلها متحولة من الشيوعية والتقدمية التي فقدت بريقها وأموالها بعد الانهيار السوفييتي، وأنها جميعاً كانت مدعومة من الولايات المتحدة ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.. وقد انكشف تدثر هذه الجماعات المسماة إسلامية بأميركا بعد الخريف العربي مباشرة، إذ رأينا هرولة جماعية من «الإخوان» والسلفيين خصوصاً في مصر نحو واشنطن.. وكانت الزيارات شبه يومية للعاصمة الأميركية من جانب هؤلاء رغم أن مصر قبل الخريف كانت من أكبر وأقوى حلفاء الولايات المتحدة.. كما تبارى الذين يعملون في مجالات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية في الهرولة نحو أميركا، بالإضافة إلى ما شهدته ثورات الخريف بدعم أميركي واضح من تحالف عجيب بين «الإخوان» والإسلاميين من جانب، والليبراليين والعلمانيين والنشطاء من جانب آخر.. وكل هذه أمور معروفة وتكرار الحديث عنها من لزوم ما لا يلزم.. لكن تحضرني عبارة للرئيس المصري الأسبق حسني مبارك قالها بعد الخريف أو بعد فوات الأوان، وهي: «المتغطي بأميركا عريان».

والخلاصة أن ما نشهده في العالم العربي من زخم وما يسمونه حراكاً سياسياً ليس أصيلاً، ولكنه مصنوع في مصانع الغرب.. بدليل أنه يشتعل بالأمر وينطفئ بالأمر، وعندما تنطفئ ما نسميها الثورات والمظاهرات والاحتجاجات لا ترى لها أي أثر في الشارع، لأن الشعوب لا علاقة لها بما يجري.. وليس ذلك الذي يحدث شعبياً أو تلقائياً أبداً.

ومرة أخرى وألف مرة أقول إن من يتآمر ويخطط ضدك ليس ملوماً وليس الأمر ذكاء الفاعل، ولكنه غباء المفعول به.. وليس الأمر قوة الفاعل ولكنه ضعف المفعول به.. والسؤال: أين أنت؟ لماذا لا تتآمر ولا تخطط وأنت تعلم أن التآمر في عصرنا مشروع، بل هو من حقوق الشعوب؟.. ليس صحيحاً أن أحداً يتدخل في شؤون العرب، ولكن الصحيح أن خلايا سرطانية عربية هي التي تستدعي الأجنبي للتدخل.. وأذكر مقولة للرئيس الأميركي باراك أوباما منذ أشهر قليلة حين قال: إذا تدخلنا يقولون لماذا تتدخل أميركا في شؤوننا؟ وإذا لم نتدخل يقولون: لماذا لم تتدخل أميركا؟.. والحق أنه قول صحيح ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الفعل العربي لا وجود له في أي قضية.. وأن الآخر هو المتهم دائماً بالتدخل والتآمر.. أو هو المتهم بالتخاذل وعدم التدخل.. كما أن مقولة أوباما تؤكد تماماً أن أميركا غسلت أيديها من العرب ولم تعد معنية بحل الأزمات العربية ولكنها معنية فقط بإدارة هذه الأزمات.. والأهم أن أميركا ليست منزعجة أبداً من رد الفعل العربي أو الغضب العربي من سلوكها الذي يبدو عدائياً تماماً ضدنا ويبدو متحالفاً ومتعاطفاً مع إيران ومتغاضياً عن همجية طهران في المنطقة.. بل ربما يبدو راضياً عن هذه الهمجية.. أميركا تعلم تماماً وأصبحت واثقة بأن رد الفعل، أو الغضب العربي عليها وضد سلوكها ليس سوى زوبعة في فنجان.. وأن كل الذين يهتفون ضدها ويسمون أنفسهم مناضلين وثواراً هم مدعومون منها.. ولا أحد ينسى هتاف «الإخوان» في خريف مصر: يا مبارك يا جبان يا عميل الأميركان.. وبعد قليل من هذا الهتاف تبين أن «الإخوان» أكبر وأقوى عملاء الأميركان.. وكل الذين راهنوا على أميركا ولم يراهنوا على أنفسهم خسروا الرهان ليكون الهتاف الأقوى والأصوب الآن: من الوريد إلى الشريان.. المتغطي بأميركا عريان، أو قل: المتغطي بالآخر عريان سواء كان روسيا أو أميركا أو الجن الأحمر!

* كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا