• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

لاشك في أن «النموذج المغربي» لفت الأنظار لدى مقارنته بالتخبّطات الحاصلة في المحيط العربي. إذ برهن أولاً أهمية الحفاظ على الدولة والشرعية

ديمقراطية النموذج المغربي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 11 أكتوبر 2016

عبدالوهاب بدرخان*

الانتخابات الثانية في المغرب، منذ التعديل الدستوري عام 2011، شرعت في تكريس ما يمكن اعتباره «النموذج المغربي» للديموقراطية، وهو يختلف عن «النموذج التونسي» سواء في طبيعة نظام الحكم أو في مدى الثبات والرهانات المستقبلية، كما أنه استطاع أن يخوض التغيير في إطار الاستقرار.

وكان هذا التعديل نقل بعض صلاحيات الملك إلى البرلمان والحكومة في عملية هدفها تطوير العلاقة بين المؤسسات الثلاث وتفعيل المشاركة في ما بينها في تحقيق الإصلاح المنشود في المجالات كافة، وخصوصاً السياسي والاقتصادي. وبناءً على ذلك كان الاقتراع الجديد بمثابة حكم على تجربة خمسة أعوام مع حكومة ائتلافية برئاسة حزب إسلامي هو «العدالة والتنمية» إلى جانب أحزاب بينها الليبرالي والمحافظ واليساري.

لا شك في أن «النموذج المغربي» لفت الأنظار لدى مقارنته بالتخبّطات الحاصلة في المحيط العربي والإقليمي. إذ برهن أولاً أهمية الحفاظ على الدولة والشرعية، وثانياً ضرورة ترجيح مفهوم السلطة في خدمة المجتمع، وثالثاً تغليب المصلحة العامة على المصلحة الحزبية، ورابعاً تأكيد أن الإصلاح لا يتم إلا بوجود إصلاحيين كما أن الديموقراطية لا تستقيم إلا بوجود ديموقراطيين. وخامساً أن مؤسسة الملك تبقى ضماناً للجميع فهي تحلّ مشكلة «رأس السلطة» وتترك للأحزاب أن تتحالف أو تتصارع تحت سقفها.

ومن الواضح أن هذا المعطى الأخير لا يتوفر لدى الأنظمة الجمهورية، حيث يتحوّل الشأن السياسي في معظم الأحيان تنازعاً على «الشرعية» بمقدار ما يظهر كصراع على أدوارٍ ومناصب.

ومن أبرز ما حققه هذا النموذج أيضاً أنه وضع القاعدة الصالحة لحل إشكالية «الإسلام السياسي». فإذا كان هذا التيار مستعداً لاعتبار نفسه عنصراً في المشهد السياسي فما عليه سوى أن يخضع لشروطه وقواعده وتقاليده كي يكون مقبولاً من الآخرين وقابلاً للآخرين، ولن يأخذ عليه أحد اختياره أن يكون الإسلام مرجعية أخلاقية وليس وسيلة للتكفير أو التأثيم. ولعل الشرعية الدينية للعاهل المغربي ساهمت أيضاً في تضئيل أي ادعاء يمكن أن يشهره أي حزب إسلامي، علماً بأن تلك الشرعية لم تدفع مؤسسة الملك إلى إقامة دولة دينية، بل وضعتها في توجّه نحو نمط من الدولة المدنية وفي انفتاح وتصالح مع العالم ومع العصر. ولذلك وجد الإسلام السياسي نفسه أمام واقع يفرض عليه أن يكون مغربياً أولاً وآخراً، خلافاً لتيارات مماثلة اعتبرت نفسها منتمية إلى حركة عابرة للحدود قبل أن تكون جزءاً من وطنها وبيئتها المباشرة.

لم يكن في الإمكان الحُكم على «حزب العدالة والتنمية» المغربي إلا من خلال وجوده في سدّة الحكم والمسؤولية، حيث يكون المحك الرئيس مدى الخبرة والكفاءة، مع إضافة خاصة تتمثّل بالنزاهة وعدم الفساد. وإذا كانت تجربة الأعوام الخمسة أثبتت شيئاً فهو أن التعايش بين الملك وحزب معارضٍ (سابقاً) ليس مستحيلاً، وما دام هذا الحزب فاز ثانيةً بأكبر عدد من مقاعد البرلمان في اقتراع حرٍّ ونزيه فهذا يعني أنه نجح في مرحلة أولى من الاختبار، ما يرشّحه لولاية حكومية تالية عليه أن يؤكّد فيها أن الانطباع الجيّد الذي خلفه كان صحيحاً وأصيلاً لا «تقيّة» فيه ولا أجندة خفيّة. لا يعني ذلك أنه مشكوك في وطنيته ونزاهته ولكن الأحزاب المسمّاة «إسلامية» عموماً، وكذلك أدبياتها، أعطت فكرة عن تربيتها لعقول كوادرها يصعب معها القول إنها تقبل العمل وفقاً لدستور ليس دستورها.

وفي الحال المغربية استطاع رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران أن يوفّر السلاسة الانتقالية المتوخّاة، سواء بارتضائه التام لسلطة الملك أو بالعمل مع شركاء كان حتى أمس قريب متنافراً معهم سياسياً أو بأداء حزبه وتجرّؤه على اتخاذ قرارات صعبة في المجال الاقتصادي. ولاشك أن أسلوبه الخاص بات مؤثّراً في «ثقافة الحكم» التي يتبنّاها حزبه، وإن كان يشكو من أنه لا يرى جهداً مقابلاً من الجهة التي تمارس «التحكم»، أو ما يسمّى «الدولة العميقة».

وكما طرح المسار الحكومي أسئلةً وتحدّيات على «حزب العدالة والتنمية» فلابدّ أن يثير فوزه الثاني تساؤلات على الأطراف الأخرى، على الحكم الذي يمكن أن يستخدم هذه الإرادة الشعبية لمصلحته، وعلى الأحزاب -خصوصاً «حزب الأصالة والمعاصرة» الذي صار القطب الآخر في المشهد السياسي- كي تجري مراجعة معمّقة لعملها ولما بات مطلوباً منها في المستقبل. ففي نهاية المطاف هذا استهدفه الملك محمد السادس من التعديل الدستوري، وكلّما ارتقى العمل الحكومي بتحمّل المسؤولية ارتقى عمل الدولة بتقليص تدخلاتها.

* محلل سياسي- لندن

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا