• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

بلينيو أبوليو ميندوثا يستعيد غابرييل غارسيا ماركيز

غابو.. روايته التي لم يكتبها!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 مايو 2015

تقديم وترجمة صالح علماني

أحتفظ من باريس بصورة عابرة تعوِّض عن حالات جوعي القديمة كلها. كانت ليلة طويلة جداً، إذ لم يكن لدي مكان أنام فيه، وقد أمضيتها برأس يتأرجح نعاساً على مقاعد الشوارع، أتدفأ بالحرارة التي ترسلها العناية الإلهية من شِباك فتحات تهوية المترو، وأتفادى رجال الشرطة الذين يمكن لهم أن ينهالوا عليّ ضرباً لظنهم أنني جزائري. وفجأة، عند الفجر، راودني إحساس بأنه لم يعد هناك أي أثر للحياة، وأن رائحة القرنبيط المسلوق قد تلاشت، وأن نهر السين قد توقف، وأنني الكائن الحي الوحيد وسط الضباب المضيء ليوم ثلاثاء خريفي في مدينة خاوية. وحدث عندئذ، بينما أنا أجتاز جسر سان ميشال، أن أحسستُ بأن أحدهم يقترب من الجهة المقابلة لي، أحسستُ أنه رجل، لمحت وسط الضباب سترته القاتمة، ويديه في الجيبين، وشعره المُسرّح للتو، وفي اللحظة التي تواجهنا فيها على الجسر رأيتُ وجهه النظيف والشاحب خلال جزء من الثانية: لقد كان يمضي باكياً.

غارسيا ماركيز الفقير الذي لا يزال شخصاً مجهولاً، والمعرَّض للنوم على مقاعد حديقة، مثلما وصف لنا نفسه أعلاه، هو نفسه من يجوب صفحات هذا الكتاب أيضاً. إنه غابو نفسه الذي تعرفتُ إليه في أحد مقاهي بوغوتا حين كان في العشرين من عمره، وكنتُ أصغره بأربع أو خمس سنوات. وهو نفسه من التقيت به في باريس في سنوات الخمسينيات لنعيش كصديقين في مغامرة متشابهة في غرف ضيقة على السطوح، وفي بارات الحي اللاتيني. وهو نفسه من جال معي على البلدان الشيوعية (بعد حلم دائم الإحباط) قبل أن نرجع إلى أميركا الهيسبانية لنشق طريقنا معاً كصحفيين في كاراكاس وبوغوتا وهافانا، ونتشاطر الورع نفسه تجاه الأدب، وكنت أرى كيف كان يختلس ساعات من النوم ليكتب قصصاً أو روايات. وكان يعرض عليّ مخطوطات كتبه دوماً. هذا هو غابو المجهول الذي نتذكره نحن الأصدقاء القدماء المقربون.

بموافقة من ابنه رودريغو، وهو ابني بالمعمودية أيضاً، ضمنتُ الكتاب بعض رسائل غابو التي كان يرسلها إليّ من مكسيكو حول ما كان يكتبه. وكان لا يزال آنذاك بعيداً عن الوصول إلى الشهرة. والحقيقة أن تلك الشهرة كانت مزعجة له. «إنها تعرقلني - قال لي ذات يوم -؛ الشهرة تخيفني، والتكريس يبدو لي شبيهاً جداً بالموت». وبالصراحة نفسها كان ينأى بنفسه عن أن يكون الأسطورة والمثال الذي راح النقاد يشيدونه حول مئة عام من العزلة. لا، لم يكن يسعى لترميز للإنسانية. فقد كان هدفه متواضعاً وبسيطاً، كما قال لي ذات مرة حين انتهى من إنجاز الكتاب: «ما أردته فقط هو ترك شهادة شاعرية أقرب إلى المشفقة لعالم طفولتي التي انقضت في بيت كبير وكئيب، مع أخت تأكل التراب وجدة عمياء تتنبأ بالمستقبل في المياه الراكدة، وأقرباء كثيرين لهم الأسماء نفسها لم يميزوا كثيراً قطّ بين السعادة وخَرف الشيخوخة، ولم يفقدوا البراءة مطلقاً. هذا ما أفهمه أنا بقصيدة طويلة عن الحياة اليومية». أجل، هكذا هي مئة عام من العزلة، قبل أي شيء آخر.

لا أدري متى خطرت لي فكرة - وربما عليّ أن أقول ضرورة - أن أكتب هذا الكتاب. كنت أراه كشيء أكثر من استحضار، وربما كان إنقاذاً لتجارب لا يمكن لها أن تُنسى. وبما أن للذكريات في أحيان كثيرة خاصية تطاير الفراشات وتفلتها السريع، فقد فكرتُ في أنه، باتباع خطى الانطباعيين، يتوجب عليّ الابتعاد عن أي بناء كلاسيكي، متيبس، وأن أكسر الجُمَلَ في قفزات مفاجئة عن صفحات يتم إبرازها كانطباعات ضربات فرشاة للحظات مَعِيشة. وتبقى هناك مفاجئة القارئ دون ريب.

وكخاتمة للكتاب، تذكرت ذروة انتصار مغامرة غابو الأدبية المتكتمة السابقة على امتداد سنوات حياته الشاقة: ذروة جائزة نوبل للأدب. لقد عشناها إلى جانبه نحن الأصدقاء المقربون. وقد أثارت فينا سعادة عظيمة. أما هو، كما سيرى القراء في نهاية هذا الكتاب، فسببت له خوفاً عظيماً.

1 ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف