• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

ما زال يثير الخوف حتى بعد موته!

نيرودا.. زِلْزال شعريّ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 مايو 2015

أحمد فرحات

ربما كان الشاعر اللبناني الراحل ميشال سليمان، هو الشاعر العربي الوحيد الذي تعمّرت بينه وبين الشاعر العالمي الكبير بابلو نيرودا صداقة حقيقية ومستدامة. برلين - فيمار، كانت مسرح اللقاء الأول بين الشاعرين في عام 1965 على هامش «مؤتمر الكتاب العالمي» فيها. ومنها انطلقت الصداقة الشخصية العميقة وغير العابرة بينهما، خصوصاً بعدما بدأ الشاعر سليمان مشروع ترجمة أشعار جديدة لنيرودا (سبق له وترجم «ملحمة آسيا» لنيرودا وصدرت الترجمة في بيروت سنة 1957) إلى العربية منذ عام 1969، وكان يُطلع صديقه الكبير على نماذج منها بين الفينة والأخرى على سبيل الفضول والتحبّب، وذلك قبل أن تصدر الترجمة مكتملة في عام 1974 تحت عنوان: «سيف اللهب».

عندما صدرت «سيف اللهب»، قال فيها الناقد والمسرحي اللبناني الكبير عصام محفوظ «إنها أجمل وأعمق ترجمة لمنتخبات من أشعار بابلو نيرودا إلى اللغة العربية».

أما لماذا؟.. يجيب عصام محفوظ: «أولاً، للغة العربية الناصعة، القوية والصافية التي حملت المعنى الشعري الإضماري الذي تفجّر به نيرودا، وثانياً للرابط الأيديولوجي السياسي الذي كان يجمع بين الشاعرين، والذي كان من أولى ميزاته أن العلاقة به كانت حرة ومتفلّتة من أي قيود داخلية مُسمطة، يمكن أن تفرضها هذه الأيديولوجيا على مُنطلق أمداء شعرية الشاعرين الملتزمين بالإنسان وحريته في الصميم، وثالثاً للمعرفة الشخصية والثقة المتبادلة والقوية التي كانت تجمعهما عبر جسر اللغة الفرنسية، والتي كان يتقنها كل منهما في الصميم، بحيث قدّم نيرودا النصح، مثلاً، لصديقه سليمان حول أي الترجمة الأفضل لأشعاره من الإسبانية إلى الفرنسية، التي عليه أن يختارها كي ينقل عنها إلى اللغة العربية».

أسرار الشعر

روى لي الشاعر ميشال سليمان أنه عندما قدّم نسخة مصوّرة من مقاطع معرّبة بخطّ يده من قصيدة نيرودا الطويلة: «قلب ماجيلان» (تضمنها ديوان «سيف اللهب» لاحقاً) هدية لصاحب الهدية نفسه، بدأ نيرودا يتصفح الأوراق، متأملاً بدقة عيانية، الكلمات والسطور العربية، ثم قال بدهشة محبّبة: ليتك يا ميشال تقرأ لي بعضا منها بلكنتك العربية. أريد أن أسمع شعري بهذه اللغة الحيّة التي أجهلها. أريد لكلماتها أن ترنّ بأذني وقلبي للمرة الأولى..

- «بكل سرور وامتنان يا صديقي بابلو»... قال ميشال وأردف: «وشرعت أقرأ له بهدوء عميق و»صاخب» ينمّان فعلاً عن انفعال بما أقرأ، ولما وصلت في القراءة إلى المقطع القائل: «يا كرة دمرها الليل ببطء/ دمرها الماء والجليد/ ومساحة قاتلها الزمن والأجل/ قاتلها طابعها البنفسجي/ قاتلها اللون الأزرق الأخير»، وتمثلته بنبرة شبه عالية وأكثر تركيزاً، بدأت عينا نيرودا تغرورقان بالدموع، وأمسك بمنديل يمسحهما قائلاً: «الآن أدركت أهمية ترجمة الشعر إلى لغة أخرى.. الآن تيقنت أن الأسرار الشعرية لها لغتها الطاغية أيضاً في مسرى كل اللغات، وخصوصاً العربية منها، تلك التي تشترك مع لغتي الإسبانية بالكثير من المفردات والتعابير والأجواء الثقافية المشحونة بسحر التاريخ.. إنني أعجز عن أن أقيّم جهدك الاستثنائي هذا يا صديقي ميشال». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف