• الأربعاء 27 شعبان 1438هـ - 24 مايو 2017م

قد تكون هناك قضية قانونية ضد هيلاري كلينتون ترقى إلى مستوى الإهمال، لكن هذا لا يعني أنها غير مناسبة لشغل منصب الرئيس.

درس ألماني لكلينتون

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 فبراير 2016

ليونيد بيرشيدسكي*

كلما اقترب تهديد سوء التصرف المزعوم لهيلاري كلينتون بشأن معلومات سرية من فرصها في الفوز بالرئاسة الأميركية، ألحَّت على ذهني سابقة ذات صلة، ففي عام 1974، وبعد 12 يوماً من الكشف عن أن مساعد فيلي برانت الشخصي جاسوس لألمانيا الشرقية، أعلن مستشار ألمانيا الغربية استقالته، ولا يسعني أن أجد مثالا آخر لزعيم من هذا الوزن يمسك بتلاببيه التفريط في الاهتمام بالمعلومات السرية. وهناك تشابهات واختلافات مهمة بين قضيتي برانت وكلينتون من الشيق بحثها.

أولاً التشابهات: برانت وكلينتون كلاهما تقدميان لهما خصوم ذوو نفوذ في الجناح المحافظ ووسائل الإعلام، فـ«حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» من يمين الوسط، طارد برانت وحاول إبعاده عن المنصب من خلال تصويت بعدم الثقة في البرلمان، كما طاردته صحف الناشر المحافظ من برلين إكسل شبرينجر. وكلينتون هدف مفضل لكل المتسابقين المحافظين على ترشيح الحزب الجمهوري وبرامج الراديو الحوارية المحافظة وشبكة فوكس نيوز، ولم تنقل كلينتون ولا برانت معلومات سرية عن قصد إلى الجهة الخطأ. ويحتمل أن المعلومات عند كلينتون قد تمت سرقتها من قوى معادية، كما أثبت أحد المقرصنين إمكانية حدوث هذا عام 2013. وبرانت تمت سرقته في الواقع رغم أن نوعية وعدد الوثائق المسروقة لم يتضحا. وفي كلتا الحالتين، قلل السياسيان من شأن خطورة عملهما، وأدركت كلينتون أن عملها لم يكن صارماً، وأن الحكومة الأميركية لا تشجع على استخدام البريد الإلكتروني الشخصي لأغراض رسمية رغم أن هذا لم يكن محظوراً بشكل مباشر.

وهناك اختلافان مهمان. الأول أنه في قضية ألمانيا كان مما لا لبس فيه أن أعداء ألمانيا الغربية حصلوا على معلومات سرية، لكن في القضية الأميركية لا يمكن إثبات هذا بأي درجة من اليقين حتى لو كان سجل كلينتون على الإنترنت متاحاً ويمكن نشره، وثاني اختلاف هو أن برانت استقال متحملاً «المسؤولية السياسية عن الإهمال»، رغم أنه لم يكن مضطراً لهذا، بينما كلينتون تتشبث بطموحاتها السياسية، وقد اختلف الزعيمان في فهم «القوانين غير المكتوبة للديمقراطية»، والتي أشار إليها برانت عندما استقال من منصبه، ورأى المستشار الألماني أن التمسك بالسلطة قد يعرض قضيته للخطر، وتحديداً مسعى التقارب السلمي مع ألمانيا الشرقية الذي كان برانت يعتقد أنه سيؤدي إلى توحيد الألمانيتين في نهاية المطاف، وكلينتون على العكس تعتقد بوضوح أن قضيتها ستحتضر بدونها، وقد يتبين لاحقاً أنها محقة على الأرجح في مواصلة الصمود، لكن ما مقدار الضرر الذي تسبب فيه تعامل كلينتون مع معلومات حساسة للمصالح الأميركية؟

من الواضح الآن، في قضية برانت، أن الوثائق التي نقلها جيلاوما إلى الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية (شتازي) لم تلحق بألمانيا الكثير من الضرر، فالمعرفة من الداخل لخطة برانت للتقارب الودي أفزعت زعيم ألمانيا الشرقية أريك هونيكر الذي كان غيوراً فيما يبدو من حوار اليساريين في ألمانيا الغربية مع الاتحاد السوفييتي. ولا يذكر التاريخ لنا أي شيء يدل على أن السوفييت استفادوا بالمعلومات الاستخباراتية التي قدمها جيلاوما فيما يبدو، وانهار الاتحاد السوفييتي وأعيد توحيد ألمانيا. فهل استفادت ألمانيا من استقالة برانت؟ أشك في احتمال تغيير كثير من الأمور لو كان برانت ظل في منصبه وصمد حتى الانتخابات التالية.

وكالات الاستخبارات لديها هوس بإلحاق صفة السرية بأي معلومة، والتاريخ يبين أن معلومات كثيرة مثل هذه ليست مفيدة بشكل خاص لأعداء البلاد حتى لو كان الحصول عليها مرضياً لهم، وربما تكون هناك قضية قانونية ضد كلينتون ترقى إلى مستوى ما وصفه برانت بأنه سبب لاستقالته وهو الإهمال، لكن هذا قد لا يعني أنها غير مناسبة لشغل منصب الرئيس، وحتى لو كان هناك ما يكفي من الأدلة ضد كلينتون، يجب أن يعود الأمر للناخبين في أن يقرروا ما إذا كانت كلينتون ملائمة لدخول البيت الأبيض. وكان يتعين على برانت ترك الأمر للناخبين الألمان أيضاً، فهنا لب القضية على كل حال، وربما كان من الممكن أن يخسر برانت الانتخابات التالية، وربما أيضاً تخسر كلينتون هذا العام.

*كاتب روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا