• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

توسيع مخصصات التعليم للأطباء في المملكة المتحدة ليس سيئاً إذا كان المال لا يمثل مشكلة. ولكن مسعى الاكتفاء الذاتي يكلف 100 مليون جنيه استرليني

بعد الخروج البريطاني.. لا للأطباء الأجانب

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 08 أكتوبر 2016

تريز رفاييل*

أخطرت بريطانيا الأطباء الأجانب بأنها في غنى عن خدماتهم. وأعلنت حكومة رئيسة الوزراء تريزا ماي خططاً يوم الثلاثاء الماضي تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في «مصلحة الصحة الوطنية» في العقد المقبل. ومن الصعب تخيل سياسة أسوأ من هذه بالنسبة لأمة تحاول أن تحسن صورتها باعتبارها مجتمعاً مفتوحاً ويتطلع إلى المستقبل حتى في الوقت الذي يقطع فيه الروابط مع أوروبا. ومصلحة الصحة الوطنية، وهي نظام يحظى باحترام ممول من الضرائب، تواجه صعوبات في تشغيل العاملين ونقصاً في التمويل. وتقدم المصلحة خدمات غير متساوية عبر البلاد تعتمد بشدة على كادر طبي تعلم في الخارج. وبريطانيا فيها نسبة من الأطباء الذين تعلموا وتدربوا في الخارج أعلى من أي دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 35 دولة، فيما عدا نيوزيلندا وإيرلندا والنرويج وأستراليا وإسرائيل.

وقد ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن أكثر من ربع الأطباء الممارسين في المملكة المتحدة في عام 2013 هم ممن حصلوا على تدريب في الخارج. ولكن حتى هذه الأرقام لا توضح الصورة الكاملة. فهناك 87869 متخصصاً في المملكة المتحدة 58 في المئة منهم فقط حصلوا على مؤهلاتهم العلمية في البلاد. و17 في المئة حصلوا على مؤهلاتهم من دول أوروبية، ونحو 25 في المئة تقريباً حصلوا على مؤهلاتهم من دول أخرى، وبخاصة من الهند، وفقاً لبيانات المجلس الطبي العام. وهذا يشبه الولايات المتحدة التي حصل 22 من الأطباء فيها ممن تلقوا تدريبهم في الخارج على مؤهلاتهم في الهند. وهذا هو السبب الذي يجعل العجز في الأطباء أسوأ في ظل سياسة تفضل الأطباء الذين تلقوا تدريباً بريطانياً. وفي محاولة لتضييق الفجوة، تعد الحكومة بتدريب 1500 طبيب إضافي سنوياً، أي بزيادة 25 في المئة من العدد الحالي من طلاب كليات الطب التي تمتلئ بستة آلاف طالب كل عام.

وتوسيع مخصصات التعليم للأطباء في المملكة المتحدة ليس سيئاً إذا كان المال لا يمثل مشكلة. ولكن المال يمثل مشكلة بالطبع. ومسعى الاكتفاء الذاتي يكلف 100 مليون جنيه استرليني، أي ما يعادل 127 مليون دولار بحلول عام 2020. ويجادل وزير الصحة «جيرمي هانت» بأن هذا سيقلص التكلفة السنوية التي تبلغ 3,3 مليار جنيه استرليني لتوظيف عمال متعاقدين هم في الغالب ممن تلقوا تدريبهم في الخارج. وفي الوقت نفسه يهدد الأطباء بالذهاب من المملكة المتحدة. وفي استطلاع للرأي أجري عام 2012، عبر 42 في المئة من الأطباء عن انخفاض معنوياتهم إلى درجة أنهم يعتزمون الذهاب لممارسة مهنتهم في الخارج. ولمنع مغادرة الأطباء البريطانيين الذين يحصلون على دعم من الدولة في تعليمهم تشترط السياسة الجديدة أن يلتزم الأطباء بسداد 220 ألف جنيه استرليني للحكومة. وربما يكون منعهم من السفر هو الطريقة الوحيدة لضمان سداد ما عليهم وهو مطلب عادل، مع الأخذ في الاعتبار ارتفاع تكلفة تعليمهم، ولكن هذا بالتأكيد لن يجعلهم أيضاً سعداء!

لكن حتى منع 1500 طبيب إضافي حديثي التخرج من السفر لن يغطي العجز المحتمل. وسيظل على البلاد أن توظف أطباء أجانب على الأقل لفترة طويلة من الوقت. وقد أوضح المدير المسؤول عن المنظمة التي تمثل أصحاب العمل في مصلحة الصحة الوطنية بالدليل أمام البرلمان أن أصحاب العمل يواجهون عجزاً دائماً، وأن العراقيل البيروقراطية المتضمنة في استقطاب موظفين من خارج الاتحاد الأوروبي أصبحت عقبة أمام التوظيف. وبمجرد التفاوض بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لن يُسمح للأطباء الأوروبيين بالعمل في بريطانيا مما سيزيد الطين بلة. ولكن هناك مشكلة أخرى أعمق في السياسة الجديدة تتجاوز الأعداد والتمويل. فمن غير الواضح المشكلة التي يستهدف الاكتفاء الذاتي حلها. وما الرسالة التي تنقلها عن قيم بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي؟ وقد تولت الحكومة البريطانية مهمة «استعادة السيطرة» منذ أن وافقت البلاد على الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء أجري في يونيو الماضي. وبحجة السيادة الوطنية سيكون هناك المزيد من السيطرة على الهجرة، ومزيد من السيطرة على اللوائح المنظمة لنشاط الاتحاد الأوروبي، ومزيد من السيطرة على السياسة الخارجية. وكأن الأطباء الأجانب يشكلون تهديداً لسيادة المملكة المتحدة! والاكتفاء الذاتي ربما له معنى عندما يتعلق بالطاقة، أو بأسرة تريد أن تكسب طعامها من فأسها. ولكن لا توجد دولة حديثة تكتفي ذاتياً في كل شيء. فكل الدول تستورد الطعام والهواتف والملابس ومستلزمات المباني والأجهزة الطبية وأيضاً العمال. ثم ما الفائدة من حصر مهنة الطب على المتخرجين محلياً؟ هل تصر المملكة المتحدة على أن يكون سائقو سيارات الأجرة أيضاً والنادلون في المقاهي والمطاعم ومربيات الأطفال ومبرمجو الكمبيوتر من البريطانيين؟

* صحفية متخصصة في السياسة

الأوروبية والاقتصاد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا