• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

موريس بلانشو.. مملكة الفاجعة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 فبراير 2016

ترجمة: أحمد حميدة

يرى موريس بلانشو أنّ سرّ الإبداع يكشف عن «عزلة جوهريّة» تجعل من الأدب حقل اختبار مهمّته لا تحدّ. في فكر بلانشو، كما في أعماله، تختفي العزلة، ولكنّها في ذات الوقت، تظلّ من بين كلّ أشكال التهرّب.. تيه ونفي، انتهاك وتراجع، اختبار للفراغ والبؤس، للهجران والانطواء على الذّات مع بلانشو، كلّ شيء يُستهلّ بالعزلة، كلّ شيء يبدأ حين تداهمه «صرامة صوت العزلة» التي تخترق الكلمات، النّداءات، الهمسات، و«أدنى حفيف»- لا يطاله السّمع- للصّمت الفاجع هنا، العزلة تراكم ثنايا السّريرة الباطنة. هنا تغيّبنا العزلة كقوّة هي في ذات الوقت فعّالة– تدفع بالإنسان خارج ذاته – وغامضة، وكأنّها رجع صدى لكلام آت من آفاق بعيدة.

تتشكّل العزلة «كإقصاء ضارٍ خاصّ بها، كرفض باهر للممكن، وخارج عن صيرورتها المشرقة». لا شكّ أنّه ليس ثمّة شخصيّات لبلانشو لا يمكنها إعادة ما قالته امرأة لعشيقها، في «أمينداب» (1942): «نظراتك تومئ إلى أنّني غائبةٌ فيك». العزلة هي الهاوية والمهماز، التجربة الأكثر شيوعاً والأسرع تملّصا.

هي حمل ثقيل– كالتوتّر الذي يكابده توماس الغامض (1941): «إلى غاية الآن كابد عزلة كانت تستنزفه»– وما تقتضيه الضّرورة يزعج الفكر والحياة: «صحت.. لتتوقّفوا عن الثّرثرة، أنا بحاجة إلى أن أكون لوحدي» (الثّرثرة الأبديّة– 1951). فعبر العزلة يتجلّى الرّفض لكلّ غواية، لكلّ محاولة من أجل الظّفر بالسّكينة في أحلام مشتركة، في إنصهار حسيّ أو روحيّ، يتوحّد فيه الإنسان مع الواقع المحيط به: «لن يدرك أبدا ما كان يعرفه. تلك كانت هي العزلة» (الترقّب.. النّسيان، 1962).

حفريّات العزلة

عند بداية ذلك التجاوز الباطني الذي يثير حافز السّرد في أعمال بلانشو ويجعل ذ لك العمل أيضاً.. عملا نقديّا، تُعمّق العزلة حفر الفجوة. وهو ما لا يني يومئ إليه دافع الترقّب: «دائماً وحيداً على قيد الانتظار، ودائماً مفصولا عن ذاته بترقّب ما كان لا يتركه وحيدا» (الترقّب، النّسيان، 1962). وعدم توافق الأضداد يفترض تضحية: هو عدم توافق الكائن مع ذاته. فالأمر يتعلّق بالتّباعد، باستنساخ الاغتراب، وباستكشاف المزايا الطّاردة للعزلة، تلك الدّخيلة المتطفّلة. ويعبّر بلانشو عن دوار تلك المباعدة: «حين أكون لوحدي، لا أكون وحيدا» (الفضاء الأدبي، 1955). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف