• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

ورقة نقدية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 فبراير 2016

مهرة بنت أحمد

كانت تنط وتدور حول نفسها وهي ترطن بكلمات غير مفهومة، لعل طولها يوازي طول بالونة الهيليوم التي تحملها بيدها، والتي كان والدها قد اشتراها لها للتو، وكانت تحمل في الأخرى ورقة نقدية طارت بفعل رقصها وهبوب النسمات التشرينية الباردة، رستْ عند قدمي رجل آسيوي الملامح كان جاثياً على ركبتيه يلتقط صوراً للحمام الذي اجتمع ليأكل الحبوب، انتشلها وناولها إياها بابتسامة مشرقة لا تشبه شمس الشتاء المختبئة خجلاً وراء الغيم، وحين عاد وجد الحمام قد حلق بعيداً فوق المباني الأثرية المحيطة، كيف لا؟! والأطفال يترقبونه ويتحينون فرصة هبوطه فكلما هبط شقوا طريقهم ركضاً بين أسراب الحمام لتطير محلقة من حولهم.

على طرف الساحة كان هناك طفل ينطرح أرضاً، يصرخ ويبكي، أراد الضغط على والدته كي تشتري له «غزل البنات» من عربة الحلوى، غير أنها مضت وكأنها لا ترى: «إما ذرة، أو لاشيء». رآه طفل آخر يصغره فانتقلت له عدوى العناد، توقف عن قيادة دراجته الصغيرة وترجل ليركض في الساحة، لكن أمه التي كانت تلاحقه رفضت، وحين أصر ندهت الأب المنشغل بهاتفه مراراً، ثم قام بتكاسل إلى ابنه.

الساحة كانت مكتظة بالبشر، وغير البشر أيضاً، فقد دخل حمار إلى الساحة بعد أن هجر الحمام الأرض، يجره صاحبه نحو أحد الأعمدة بقوة وهو ينهق متراجعاً خطوة بعد كل عشر خطوات، وقد ألبسه صاحبه سرجاً عريضاً ملوناً مبهرجاً تتدلى منه كرات قطن مزركشة، بدت جيوب السرج منتفخة بعض الشيء، وبدا صاحبه ضجراً أو متوتراً، كان ينهر حماره بشدة عند أدنى حركة، فقد كان يتصرف بريبة ويُكثر من التلفّت حوله، ربطه إلى عمود في منتصف الساحة، كان العمود يحمل لوحة إرشادية كُتب عليها: «اتركوا المكان أفضل مما كان» ولكن ما إن رآه الآسيوي حتى قفز إليه، أخرج بطاقته التي تشير إلى أنه صحفي، وبدأ بالتقاط الصور.

لم يخرج شيء عن مسار اللهو والفرح، كان المكان يعج بضحكات الأطفال ورائحة الفشار الشهية وسحائب الحمام، والكبار الذين يُلاحقون الصغار، إلا أن أحدهم انزوى في كرسي يقرأ صحيفة الجمعة ويحتسي قهوته الساخنة، وآخرون مفتونون يلتقطون صوراً لغيوم تشرين البديعة والساحة الصاخبة.

البعض كان ساكناً يُحدق في المكان بصمت لعلهم يبنون أحلامهم في داخلهم، أو يُرممون بعض أجزائهم الخربة، أو لعلهم حضروا إلى هذه الساحة ليقوموا بـ اللاشيء، مستعينين بالصخب من حولهم للقضاء على نعيق الغراب المزعج في عقولهم.

أثار هذا العبث الجميل شهية الصحفي في التقاط المزيد، فأغواه لتشغيل الڤيديو، ولكن لم يلبث إلا قليلاً، حتى دوّى انفجار نسف المكان، تطايرت الورقة النقدية من جديد، غير أن الطفلة لم تعد موجودة لتنتظر من يُعيدها إليها، ولم يعد الصحفي موجوداً لالتقاطها ولكن بقيّت ابتسامته المُشرقة التي تجاوزت المكان إلى العالم أجمع، في صورته التي كانت تُعرض عند بث شريط الفيديو تحت عنوان «مجموعة إرهابية» تتبنى حادثة تفجير ساحة «الأحلام».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف