• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

المسرحيّات الإماراتيّات يحضُرْنَ على الخشبة ويغبْنَ عن نصِّها

النادرات في حضورهنَّ

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 فبراير 2016

محمود عبد الله رغم الحيويّة التي يشهدها المسرح في الإمارات، بعد أكثر من أربعين عاماً من النّضال والعمل والاجتهاد.. ورغم تطور المشهد المسرحي الذي أصبح له مهرجاناته وملتقياته وفرقه المسرحية التي أكدت وتؤكد حضورها في مختلف محافل المسرح على المستوى المحلي والإقليمي والعربي. ورغم أن الحراك المسرحي والشغل الجاد صنع «حالة مسرحية» تلعب دورها الفاعل في المشهد الثقافي المحلّي، فإن هناك قضية لا تزال حاضرة، تؤرق كل من يهمّه المسرح وشجونه، تتمثل في ندرة العنصر النسائي في المسرح المحلي، ومرواحته بين الحضور والغياب، والظهور والاختفاء.. ناهيك عن شبه غياب عن حقلي الإخراج والتأليف، حتى ليكاد المرء يقول إن النساء يحضُرْنَ على الخشبة ويغبْنَ عن نصِّها، وهنََّ في حضورهنَّ على مستوى التمثيل يراوحن بين الاستمرار والانسحاب، ما يجعل حضورهنَّ أقل من المتوقع في مشهد مسرحي حيوي، ومستمرّ في اجتراح أسباب الإبداع. في دراستها الموسومة بـ «المرأة والمسرح في الإمارات، كم قرناً نحتاج للتغيير؟» تذكر الباحثة «نجلاء علي الشّحي»: «ومما يذكر أن المرأة لم تشارك في المسرح الإماراتي بشكل مؤثر حتى مطلع العام 1972، وقبل هذه الفترة كان الممثلون الشباب هم من يقومون بأدوار نسائية، أمثال: أمين محمد أمين، جابر نغموش، سلطان الشاعر، سعيد المزروعي، وآخرون، وذلك في محاولة للتغلّب على غياب العنصر النسائي». (1) وتشير بعض الدراسات إلى أن أول فتاتين إماراتيَّتيْن اقتحمتا عالم المسرح هما: شادية جمعة ومنى مبارك، وكان ذلك منتصف العام 1972، وقد سافرتا مع فريق الشباب إلى ليبيا العام 1975، لتمثيل الدولة في «مهرجان الشباب العربي» في نسخته الثانية، في إطار المشاركة في مسرحية «غلطة أبو أحمد» للمخرج «فؤاد عبيد»، ثم ظهرت فيما في خريطة المسرح قائمة أسماء كبيرة من الممثلات، وصل عددهن، حسب الباحث الدكتور «عبد الله الطابور» إلى 50 ممثلة، من أهمهن -على سبيل المثال لا الحصر: موزة المزروعي، مريم سلطان، بدرية أحمد، عائشة عبد الرحمن، رزيقة الطارش، عايدة حمزة، رئاسة عبد الرحمن، وضحة صالح، أشجان الدواحي، فرح علي، غزلان، موزة يوسف، معصومة ناصر، وغيرهن، ومع ذلك فقد كانت ظاهرة الحضور والغياب، الظهور والاختفاء، من الساحة الفنية من أهم مظاهر هذه الإشكالية. ويعزو المشتغلون في المسرح الإماراتي هذه الظاهرة إلى الزواج، أو الظروف الاجتماعية والأسرية والضغوط النفسية التي تؤدي إلى تسرب النساء المسرحيّات رويداً رويداً، ثم إلى الاختفاء والارتحال بعيداً عن الفن المسرحي، مما يدلل على أن النظرة الاجتماعية لم تتغير كثيراً خلال أكثر من أربعة عقود، رغم التقدم الاجتماعي الهائل الذي طرأ على حياة الناس، لكن بالمجمل العام فإن معظم الدّارسين لحركة المسرح المحلّي يضعون كلاً من: موزة المزروعي ومريم سلطان على رأس قائمة الفنانات الرائدات، خصوصاً وأن الممثلة الإماراتية حازت مكانة مسرحية نوعية من خلال عطاء بعض رموزها، وتتصدر خارطتها الفنانتان: سميرة أحمد وهدى الخطيب. غياب المخرجات في دراسة له بعنوان: «المرأة في المسرح الخليجي»، ألقيت في الندوة الفكرية لمهرجان المسرحي الخليجي الثامن الذي احتضنته العاصمة أبوظبي العام 2003، أكد الناقد «حسن رشيد» أن ظهور الفتاة الخليجية في المسرح وتجاوزها المعوقات والمحبطات، قد أسهم في تقديم إضافات جديدة للمسرح أهمها: خلق الفرص أمام المؤلف والمخرج في تحقيق مدار أكبر في إطار الرؤية الإخراجية والنّصية وإعطاء الممثلة قيمة اجتماعية، والتأكيد على أنها عنصر فعال، له احترامه وكيانه الإنساني، ومكانته الفنية والفكرية، وقد أدّى هذا إلى تطور في تقديم نماذج مسرحية منافسة وذات هوية تكشف عن نظرة شمولية لفن المسرح، ومن ثم التداخل مع التجارب المسرحية العربية والتجاور مع مسرحيات المهرجانات. وقد دلل ذلك على نجاح المرأة في الخروج من دائرة التهميش إلى دائرة النور، وإن كان البعض يرى أنه لا يكفي أن تلعب المرأة الإماراتية على خشبة التمثيل، وتبتعد عن مجالات الإخراج ولواحق العرض المسرحي وتقنيات العرض والتأليف والكتابة للمسرح والدراما، ويضعون ذلك ضمن الإشكاليات التي ما زالت عالقة في هذا السياق، حيث من الملاحظ أن تأثيرات العادات والتقاليد الموروثة ما زالت تلعب دوراً سلبياً في تكريس هذه الموضوعة وتصعيد وتيرتها. القلّة الفاعلة من الملاحظ أن عدد الممثلات المسرحيات اللواتي يقمن بدور فعال في الحراك المسرحي المحلّي، لا يزيد على عدد أصابع اليدين، من مجموع ما يزيد على أكثر من 70 ممثلة، ما يشي بوجود مشكلة لها علاقة بحركة المسرح بشكل عام. تقول الناقدة سهام ناصر: «هناك عناصر فردية معدودة على الأصابع، حتى وإن غدت المرأة أستاذة جامعية أو طبيبة وصحفية ومهندسة ومحامية، فتبقى دائماً علامة استفهام حول علاقتها بالمسرح»، وفي جانب آخر، تعتقد أن حضورها القوي في المسرح«خطوة نوعية ومشجعة للجمهور، فالمسرح هو صورة من هذه الحياة، ولا بد أن يكون للمرأة دورها الحقيقي في الإسهام في دفع عجلة قطار الثقافة وتطور المجتمع». إذن، ثمة إشكالية تتعلق بحضور المرأة في المسرح المحلّي، حضورها كممثلة، وبشكل محدود ككاتبة ومخرجة، دون أن تقترب من دائرة تقنيات العرض من سينوغرافيا وتصميم حركي، لكن من الثابت أن هناك محاولات جادة في مسرح الإمارات، لاستقطاب مسرحيين جدد، نساء ورجالاً، ورفد الدماء التي تجري في عروق المسرح بدماء شابة. دورهنَّ لا ينكر يشدّد الممثل والمخرج الدكتور حبيب غلوم على أن«ما من أحد يستطيع أن يقفز على دور المرأة وأهميته في العرض المسرحي، أو في الجانب الإنساني والفكري منه، ولا أن يقفز على هذا التمازج الحضاري والتغير الاجتماعي السريع الذي شهدته المجتمعات الخليجية وتأثرت به المرأة مثل الرجل، وأثّر ذلك كله في حدوث هزّات عنيفة في البنية الاجتماعية، وما تركه كل هذا من صدى على الأعمال المسرحية والأدبية بصفة عامة». فيما تعتقد نجلاء الشحي (بكالوريوس في التمثيل والإخراج من أكاديمية الفنون بالقاهرة)، أن للمسألة علاقة بثقافة الفنانة ووعيها والمؤهل الأكاديمي، تقول: «الدرجة العلمية للفنانة تفرض نوعاً من الاحترام، فإذا كانت أكاديمية ومثقفة أعطت للناس إنطباع الوعي والرقي في التعامل، ذلك لأن لدينا عدداً من الممثلات لم يكملن دراستهن، وإن كان هذا لا يبخس من قدراتهن التمثيلية وموهبتهن، غير أن نظرة المجتمع تؤثر فيها، ولهذا ندعو إلى أن تتسلح أي ممثلة بالعلم والثقافة الواسعة، مما يسهل مهمتها وتطوير أدائها وشخصيتها والأدوار التي تلعبها على الخشبة، ويسهم في قوة اندماجها في المجتمع الفني». أسبابهنَّ من أفواههنَّ ما كان لهذا التوصيف أن يكتمل إلا بسؤال صاحبات العلاقة عن هذه الإشكالية، أما الممثلة رانيا آل علي، فترجع الظاهرة لأسباب اجتماعية بحتة، ذات صلة بالعادات والتقاليد ونظرة الناس للممثلة، إضافة إلى ندرة النصوص المسرحية التي تتجه إلى قضايا المرأة بشكل واقعي منطقي، ما يهمش دور المرأة على الخشبة، وبالتالي قد يدفعها ذلك إلى ترك الساحة والارتحال بعيداً إلى مهنة أخرى. وأما الممثلة رشا العبيدي، فترى أن هروب الممثلات من المسرح قد يعود لأسباب شخصية وعائلية ونفسية، ووجود تداخلات كثيرة غير مريحة في الوسط المسرحي، ثم ضعف حوار الأجيال والتجارب. فيما تذهب الممثلة ملاك الخالدي إلى أن الموضوع كله يتعلق بالظروف الشخصية للممثلة وليست الظروف المهنية، وعلى المرأة الممثلة أن تكون حكيمة في تصرفاتها، وأن توسع من ثقافتها حتى تستطيع تقمص الأدوار الصعبة المركبة، وهي تؤكد أن النصوص المسرحية موجودة بكثرة، لكن قلائل هم الذين يكتبون للمرأة وقضاياها. وتعزو الممثلة هيفاء العلي المشكلة إلى أسباب اجتماعية كالزواج أو العمل، ما يؤدي في النهاية إلى مغادرة الخشبة، لكن تظل النظرة الاجتماعية السلبية للمرأة العاملة في المسرح من أهم أسباب عدم ظهورها وتواصلها مع المسرح بشكل احترافي، كما يحدث في الخارج. وتلفت الممثلة ظبية الكندي إلى أن هذه الظاهرة تؤثر سلباً على أداء نساء المسرح، ولا يمكن تجاوزها بالكلام، بل هناك ضرورة لأن يتبنى الإعلام والمؤسسات الرسمية قضية دعم المرأة الممثلة، وعكس صورة مشرقة عن حرفتها التي توازي جميع الحرف في المجتمع. ....................................... هامش: (1) انظر كتاب «المرأة والمسرح في شبه الجزيرة العربية» للباحث المسرحي السوداني الدكتور يوسف عايدابي. باسمة يونس: بدون المرأة سيظل المشهد منقوصاً ولا يُعوَّل عليه ‬إذا افترضنا أن النظرة المجتمعية لعبت الدور الأكبر في إقصاء وانزياح المرأة عن التواصل الكامل مع خشبة المسرح، فهل هي التي ساهمت أيضاً في عدم خوض النساء - إلا في استثناءات نادرة - لتجربة الكتابة للمسرح؟ تقول الكاتبة باسمة يونس، مؤلفة مسرحيات (البديل، مساء للموت، بنات النوخذة، آخر ليلة باردة، بحاران، رجل وغيبوبة): «هناك فرق بين الكتابة الإبداعية في المجالات الأدبية المختلفة وبين الكتابة للمسرح، وليس كل كاتبة قصة - مثلاً - هي بالضرورة قادرة على كتابة المسرحية، لكن بالنسبة لي اكتشفت أن المسرح له نكهة أدبية جميلة، ووجدت ثنائية الأدب والفن مغرية للكتابة، ولكنها كتابة صعبة وتتطلب أدوات وثقافة وحرفية خاصة، فضلاً عن الحماسة والرغبة الشديدة في الكتابة والصياغة ضمن أسس وقواعد فن المسرح، حتى ننجز في النهاية نصاً مسرحياً قابلاً للبقاء». وتلفت باسمة يونس إلى أن دخول هذا العالم الممتلئ بالسحر والخيال يتطلب أولاً مشاهدة عروض المسرح المختلفة، وقراءة واعية متفحصة لنصوص مسرحية ذات قيمة عالية، فهذه روافد مهمة للكتابة المسرحية، التي - من أسف - تغيب عنها النساء تحت مظلات كثيرة منها: هيمنة الكتابة الذكورية على المنجز النّصي المسرحي، أو لاعتبارات اجتماعية، لكن المشهد المسرحي في الإمارات وغيرها الذي ظلَّ محاصراً بظلٍّ ثقيلٍ لقطبٍ واحدٍ من قطبي الحياة الرجل والمرأة، سيظلُّ منقوصاً إذا لم تكتب المرأة، وكلُّ منقوصٍ في الحياة لا يُعوَّل على أهميته أو جماله أو حتى الوثوق في تطوره كثيراً. علاوة على بعض المواضيع التي بقيت حكراً على الكتّاب الذّكور، وقد لا تجرؤ الكاتبة العربيةعلى الخوض فيها للموروثات الاجتماعيّة التي تكبّلها، فالطّريق لا تزال طويلة أمام الكتابة الأنثويّة للمسرح، باستثناء بعض المحاولات القليلة. نصوص الرجال يرى باحثون في المسرح الإماراتي أنه يعاني أزمة على صعيد الكتابة المسرحية بصورة عامة، لكنها تشتدّ على صعيد كتابة النساء للمسرح. ويضربون دليلاً على صحة هذا الرأي بأن النصوص المسرحية التي يكتبها الرجال تتصدر الساحة المسرحية، وأن عدد المسرحيات التي كتبتها نساء أو أديبات نادرة، ولا توازي أو لا تظهر في الصورة التي ينبغي أن تظهر عليها قياساً بالصورة أو الدرجة التي وصل إليها مسرح الإمارات من نضوج وتطور.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف