• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

«كُدْمَة» الإمام العتيق.. والأنين الجديد

«الحمودي».. تراجيديا العذاب اليمني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 فبراير 2016

محمد حسن الحربي يبدو أن مقولة «التاريخ يعيد نفسه مرتين» مقولة لا تخلو من صدقيّة، ولا يمل المرء ترديدها، فهو مرة يعيد نفسه في شكل تراجيديا، وأخرى يعيد نفسه بصورة ساخرة، وما يعيشه اليمن واليمنيون في هذه الفترة تحديداً، هو التاريخ بشكله التراجيدي.. ويا لها من تراجيديا مركبة، ففي الوقت الذي اجتاز اليمنيون بنضالهم، فترة قاسية ومظلمة من تاريخهم، مثَّلها بامتياز حُكم الإمامة البائد، ها هو يسقط مرة أخرى في براثن الإقطاع السياسي الذي يسعى إلى التأبيد بصورته الكلاسيكية التعيسة، إنه الزواج «الكاثوليكي» إياه بين بسطار الجنرال والرأسمال السياسي.. ولا مكان لشرعية الطلاق فيه. تأتي بعض الأعمال الأدبية «الرائية» لتستشرف الآفاق لحاضر معيش، بكل تشابكاته المعقدة، ومشاهده المرعبة، لتقول كلمة هنا وتترك أخرى هناك، علها تفعل فعلها مع الزمن، وتتحول إلى شموع تواسي، وتنير دروباً وعرة، أو فرجة في صخر، أمام الشرفاء المخلصين المحبين للأرض والبشر، في بقعة هي اليمن، لطالما كانت ولادة معطاءة، وهي تنشر العربية عرقاً ولغة على كامل التراب من الماء إلى الماء. من هذه الأعمال اللامعة الصادرة في السياق اليمني المأزوم، روايات عديدة من بين أهمها: «حرمه» و«بخور عدني» و«اليهودي الحالي» للمؤلف علي المقري، وقد ترجم بعضها إلى الإنجليزية والفرنسية، واستقبلها الوسط الثقافي الفرنسي بشيء من التنوية، لكن ثمة أعمالاً أخرى تأتي لتحفر في المشهد بطريقة خاصة، مثل رواية «الحمودي.. قصة مهاجر على درب الأنين والحنين» للأديب الدكتور عمر عبد العزيز، إن هذا العمل لم ينل حقه النقدي في الصحافة الثقافية منذ صدوره، ما يبعث على كثير من الاستغراب، وسط معالجات ثقافية خبرية ونقدية، لأعمال هي أقل جودة وعلى أكثر من مستوى.. وتلك (قصة - قضية) قد نتحدث فيها لاحقاً. عمل مكتمل العمل الجيد الممتع المترع بالدهشة، على تخومه تحار ماذا تكتب عن تفاصيل الداخل، أو تريد إخبار الآخر قارئاً كان أم مهتماً أن العمل الذي قرأته كان في غاية الدهشة.. الدهشة التي تميز العمل المتقن عن غيره من التآليف، وتكون معياراً لدى خبراء القراءة في انتقاءاتهم العالية، وأنك تود أن يشاركك الآخرون فيوض السعادة اللامحدودة التي ينفحك إياها النص الأدبي سرداً كان أم شعراً، وإنك لذلك تضع هذا العمل في رأس قائمة الأعمال الفنية التي مرت عليك في السنين الأربع أو الخمس المتصرّمة..؟. ربما هذا وأكثر مما انتابك في رحلة الإبحار في محيط من اللغة الصافية العميقة والدافئة، المتوثبة لتبز شخوص الحدث المحورية في توحدها البارز في قطعة فنية تعدها الألمع بين الأعمال القصصية القليلة التي صدرت في الفترة الأخيرة خليجيا وربما على مستوى المنطقة العربية؟. الجواب: ربما هذا وأبعد. لكن، لماذا هذا العمل بالذات؟ «الحمودي: قصة مهاجرِ على درب الأنين والحنين» عمل أعدّهُ مكتملاً. يؤشر على عدة أبعاد في فكرته التي قد تتشظى حين إعادة قراءتها لتشمل السياسي والفكري والمعرفي والديني، في رؤى مختلفة تتخلق خلال رحلة الإبحار في عوالم النص. ولئن كانت الشخصية المحورية تنقلت في محدودية جغرافيّة؛ «اليمن، الصومال، اليمن»، إلا أن تلك التنقلات الغنية «المرئية واللامرئية» عبر البر والبحر شكلت قطعاً عرضياً في الزمن العربي والجغرافيا العربية لجهة المحمولات الثقافية، ولجهة المعاناة النفسية والروحية لدى شخصية رئيسية، هو الجد «الرائي الطيَّار» كما في النص. المؤلف لم يرد في «الحمودي» أن يتوقف عند سرد قصة «جدٍ» متصوِّف أو سيرة عائلة عصامية، في فترة تاريخية عربية شابها الكثير من الظلم والظلام، لاسيما في فترة الاستقلالات العربية «الخمسينيات &ndash الستينيات»، وتحديداً في جزء مهم وحيوي من العالم هو اليمن، الذي شكل على مدى قرون منهلاً للجنس العربي ونشره في «تغريبات» جغرافية متتالية وصلت إلى الأطلسي. في اليمن هناك حيث سلطة الإمامة البغيضة، تحمل في تلك الزاوية من جزيرة العرب، المتوهجة دوماً بالخير والسعادة من بدء التاريخ.. تحمل إرباكات فكرية وارتباكات حضارية للعالم، حيث السجون البدائية المتوحشة، تذبل فيها نضرة الشباب اليمني، وتموت الأحلام، ويفارق النفوس التفاؤل بالحياة، فلا يكون حضور إلا للعذاب والتعذيب.. إلا للجنون والموت. كم كانت سجون الإمام قاسية، ولمن لا يعرفها بإمكانه زيارتها، فلحسن حظ الممتلئين بحماسة المستقبل، أن هذه السجون بقيت على حالها لتكون شاهداً على مدى الجهل في توحشه اللامحدود. ثمة صورة قد لا يستطيع المرء تركها بلا تأمل: هي «الكُدمة» القاسية.. هي نوع من الخبز يابس كالحجر، يوزع على نزلاء السجن. صورة ربطت بين قسوة قطعة الخبز المسمى «الكدمة» التي بالكاد يستطيع الشخص قضمها ومضغها، ولحم الأرجل الحي الطري الذي ينهشه على طريقته، قيدُ الحديد.. هنا تبدو قسوة الإمام الذي كان يحمل في لحيته المخضبة بالأنين، الخديعة والأحلام الزائفة لشعبه المقهور. السؤال الذي تكتنفه الحيرة نوعاً ما هو: ما الذي أراده المؤلف من روايته هذه المثقلة بمحمولات اللغة الصوفية والفكر والفلسفة؟، فإذا كان الجد «الرائي الطيار» كان كما يصفه «يقطع المفازات ويصل الليل بالنهار ويعيش مع الضواري والحشرات في البراري والقفار. وكان ينام على الأرض ويلتحف السماء كلما دنت الأسحار». فهل أراد عمر عبد العزيز أن يقدم لنا ما يجعلنا نصل حاضره بماضيه؟. عبر كتابة هي أقرب هنا إلى السيرة الذاتية والعائلية، المفعمة بالرموز والمغاصات الخارجة على جاهزية اللغة السردية المعتادة، من دون أن تتبرأ من غموض نحسبه إيجابياً إن جاز التعبير.. غموض نرى شيئاً منه في شخصية المؤلف نفسها، هل رواية «الحمودي» هذه أرادها المؤلف ضرباً من التوثيق «يبدأ تقريباً من بداية القرن العشرين فالحرب العالمية الثانية وما بعدها»، ليأتي من بعده من يبتني عليها عملاً آخر، كما في أعمال الروائي أمين معلوف، حينما يشبِّك رؤيته برؤية الوثيقة التاريخية، تاركاً للقارئ الخروج برؤية ثالثة خاصة بزاوية دخوله إلى النص؟. يا لها من رحلة في الوجود والكون، في المرئي واللامرئي، رواية الحمودي تلك، لا تستطيع معها إلا أن تكون متعاطفاً مع شخوصها، جنِفا إلى هواها، ضامنا عبر جمالية اللغة، متعة للنفس والذائقة. نص من الإشارات النص جلهُ إشارات، وما أجمل تلك الإشارات التي إن تمكن القارئ من القبض عليها، تكشفت له المسألة، وإن فاتته اكتفى «بقند اللغة» الذي يذوب في القلب حلاوةً.. اللغة وهي تبني نفسها في درامية متصاعدة ولا أمتع، فقد كان رائياً، حال عمر عبدالعزيز في نصه السردي المبهج، فهو يعرض لأحداث الزمن في أبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، وبالتالي فإنك لا تستطيع في كثير من المواطن في النص أن تعلم أين هو تكلم، وأين تكلم الجد، تأمل وناجى في البر، جالساً، أو على سطح الماء، منتعلاً الريح حذاءً، والقلب بوصلة. حتى تلك الشخصيات الثانوية التي شيعت «المسيرة» إلى جزء من الدرب ثم هوت واختفت.. حتى تلك لا تكاد تفصلها عن مدارات الارتقاء لدى الجد الوله بمركز الدائرة الكونية، تلك التي لا يريد لها فراقاً في حركاته وسكناته. أرى، ترشيح هذا العمل ليس للقراءة فقط، بل أجدني أرشحهُ للترجمة، وأضعه في مدرجة الجوائز الإبداعية النزيهة، فالمؤلف انتصف في نصه للغة العربية وتجلياتها، ولحقيقة العمل الأدبي، لرسالته الفنية وأبعد. جدَّتي.. عالمة اللسانيات كانت حارة العرب تضم مزيجاً من الصوماليين واليمانيين، وكانت تعيد إنتاج مرابع الأسلاف اليمانيين القادمين من سهول وهضاب وجبال اليمن، واستقامت أحوال المهاجرين وأبناء المهاجرين اليمانيين على قاعدة ثقافية وإنسانية بسيطة.. تلقائية وراكزة في المعنى. كانت «بلاجة» حارة لتلك القاعدة الثقافية غير المعلنة، التي تلخصت في التماهي الطبيعي مع الخلائق والظواهر (...) كان اليقين يجعل سكان الحارة يراقبون انتقال موتاهم لحياة أخرى، وكانت جدتي أكثر من يخاطب موتانا ويسأل عنهم وهي ما زالت معنا في الحياة الفانية. كانت جدتي (bullo cali daqood) الصومالية المنحدرة من قبيلة (darood) التي توصف بأنها الفرع الأكبر لمنظومة قبائل (mageerteen) العتيدة، تنظر إلى الزمان، كما لو أنه سفر من الغيب إلى الغيب، والمكان بوصفه هشيماً ستذروه الرياح ذات يوم، وكانت تحمل بيديها سبحة طويلة، وتنتهز كل فرصة سانحة لتقلب حبات السبحة بين يديها، فيما تستعيد أوراداً وأذكاراً لا تنتهي طولاً وتنوعاً. كنت صغير السن وأنا أتابع أورادها الساطعة بلسان عربي مبين، والنابعة أصلاً من ذاكرة الحفظ المقرون ببيان شفاهي تكاد تراه بالبصر، كما لو أنها من علماء اللسانيات الكبار. «الحمودي» ص (27-28)

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف