• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

في تعرية الثقافة العربية

غاب «المفكر الكبير».. فصار الصغار «كباراً»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 04 فبراير 2016

د. سعيد توفيق

تلك قضية من القضايا التي ينبغي أن نطرحها صراحةً على أنفسنا، وهي مكانة الفكر والفلسفة في عالمنا العربي: فعلى أي أساس أو معيار يمكن أن نصف كاتبا ما بأنه فيلسوف أو مفكر كبير؟ ولن نجانب الصواب إذا قلنا أن تعبير «المفكر الكبير» أصبح يمثل ظاهرة في سياق الثقافة السائدة في عالمنا العربي، سواء على المستوى التعليمي أو الإعلامي؛ ومن ثم على مستوى الثقافة الرائجة لدى الإنسان العادي أو رجل الشارع.

«المفكر الكبير» تعبير متداول في العالم المتقدم عمومًا، سواء أكان العالم الغربي أو عالم الشرق الآسيوي، ولعله يكون عندنا بمثابة ترجمة حرفية لتعبير great thinker. ولكن هذا التعبير، وإن كان متداولًا في بلدان العالم المتقدم أو المتحضر؛ فإنه لا يشكل «ظاهرة»، أعني أنه لا يكون متداولًا على نطاق واسع، وإنما على نطاق محدود، وخاصة في الأوساط العلمية والأكاديمية؛ ولذلك فإننا نجد- على سبيل المثال- سلسلة من سلاسل الكتب الرائجة تصدر بعنوان أقرب إلى هذا التعبير، وهو «عقول كبيرة» great minds، وهي السلسلة التي قمت مؤخرًا بترجمة أحد إصداراتها عن دار بلاكويل للنشر. أما في عالمنا العربي، فإننا نستخدم تعبير «المفكر الكبير» وأشباهه بإسراف، بل إننا عادةً ما نستخدم تعبير «المفكر الكبير» مسبوقًا بلقب «الفيلسوف»؛ فيُقَال في التقديم لبعض الشخصيات: الفيلسوف أو المفكر أو الأديب الكبير فلان الفلاني. يحدث هذا كثيرًا في مصر، حتى ذاعت أسماء كثيرة في مصرنا، ومن ثم ذاعت أيضًا في عالمنا العربي (وربما ذاع بعضها في العالم الغربي بالتبعية ولأسباب أخرى سياسية) دون أن يكون لها قيمة في مجالات المعرفة أو الفكر أو الأدب... أسماء ذاعت أو أذاعوها علينا بإلحاح، وهذا الإلحاح يعمل على ترسيخ الاعتقاد لدى العوام وأشباه المثقفين بأن هذه الأسماء تستحق التقدير بالفعل.

حصانة مزيفة

يحدث هذا في عالمنا العربي على المستويات كافةً، ويحدث هذا بصورة كثيفة خاصةً في مصر: ففي مصر يتداول الإعلام أسماءً بعينها كما لو كانت «أيقونات» مبجلة قد اكتسبت حصانة مزيفة (وهي مزيفة لأنها حصانة منحها من لا أهلية له لمن لا يستحق). يحدث هذا بفعل الترويج الجاهل لأسماء تم رفعها- في غفلة من الزمن- إلى مصاف الفلاسفة والمفكرين الكبار، وهو ترويج جاهل بلغ أقصاه حتى وصف واحدًا من هؤلاء باعتباره الفيلسوف والمفكر والأديب الكبير! رغم أن مثل هذا الشخص صنع شهرته الأدبية على رواية مسروقة من كاتب إنجليزي قديم، واستمرأ السرقة الأدبية والفكرية، ولكنه أصبح يمارسها بقدر أكبر من الاحتراف بعد أن ذاع صيته بين العارفين كسارق للكتب والأفكار. ورغم أن وقائع السرقات العلمية تم نشرها موثقةً، فإن هذا لم يفت في عضده وجلده السميك؛ لأنه أصبح مطمئنًا إلى الحصانة المزيفة التي نالها، والتي يتواصل تأثيرها- مع ذلك- بفعل إلحاح الإعلام المغيَّب الذي يشبه تأثيره فعل السحر في نفوس الناس في الداخل والخارج. وقد ذاع صيت أستاذ جامعي آخر على أساس من الترويج الإعلامي الذي اهتم بواقعة التفريق بينه وزوجه، فأصبح اسمه مقترنًا بفترة حالكة من تاريخ مصر لا تزال آثارها ممتدة، حيث حاصر التفكير الديني الظلامي المشهد الثقافي في مصر، وفي غيرها من العالم العربي.

حقًا إن النموذج الأول لا ينبغي أن يُقَارن على الإطلاق بهذا النموذج الأخير؛ لأن النموذج الأول يخص الباحث أو الأستاذ المدلَّس، بينما النموذج الأخير يخص الباحث أو الأستاذ المتميز. ولكن كلًا منهما لا يصح أصلًا أن نتخذه كنموذج للفيلسوف أو المفكر أو الأديب الكبير، ولا يليق أن نضع مثل هذه الأسماء بجانب قامات كبيرة مبدعة حقًا من قبيل: طه حسين ونجيب محفوظ، بادعاء أنها تضارع هؤلاء الكبار حقًا وتشاركهم محنة الفكر والإبداع نفسها التي سبق لهؤلاء الكبار أن عايشوها في مواجهة قوى التكفير الديني الظلامية! فالواقع أن مثل هذا الخلط الوضيع بين الغث والثمين قد نشأ بفعل إعلام جاهل يروِّج لثقافة اجتماعية هشة ومزيفة؛ ومن ثم يسعى- عن وعي، وغالبًا دون وعي- إلى تهميش الثقافة الحقيقية ممثلة في رموزها من المبدعين الحقيقيين الذين أنتجوا الفكر والفن والأدب عبر مساهمات إبداعية في سياق تحرر الوعي العربي وتنويره، لا أولئك الذين تعالى ضجيج أصواتهم بكلمات جوفاء عن التنوير، دون أن يقدموا عملًا إبداعيًا واحدًا يمكن حسابه على التنوير الثقافي والمجتمعي! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف