• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

الهدف الذي حدده الرئيس بوتين وحلفاؤه هو رفض قادة أوكرانيا للمقترحات الجديدة، ليتمكن بعدها من اتهامهم بخرق بنود اتفاق مينسك

شرق أوكرانيا.. مناورات بوتين الأخيرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 19 مايو 2015

لم نسمع الكثير عن الانفصاليين في شرق أوكرانيا خلال الآونة الأخيرة، ولكنهم طرحوا في الأسبوع الجاري مقترحات لتحديد وضع المناطق الشرقية في المدى البعيد، وهي اقتراحات وإن كانت لا تخرج في مجملها عن اتفاق مينسك للسلام الذي وُقع في فبراير الماضي، إلا أنها وُضعت أساساً ليتم رفضها من قبل الحكومة الأوكرانية بطريقة تؤدي في النهاية إلى وضع شبيه بمناطق الصراع المجمدة التي أخضعتها روسيا لوصايتها في بعض المناطق الجورجية. فقد نشر الانفصاليون مقترحاتهم على موقع «وكالة أنباء دونيتسك» التي تبث عادة البيانات الرسمية للانفصاليين، مطالبين بإدخال تعديلات على الدستور الأوكراني، فيما نص اقتراح آخر على وضع مسودة قانون للانتخابات في المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون. وكل من هذين المقترحين يحملان على نحو واضح بصمات موسكو، إذ لم يسبق للمتمردين في شرق البلاد أن أظهروا درجة كبيرة ومعقدة من التخطيط والصياغة القانونية الرفيعة. ولكن بإلقاء نظرة فاحصة على الوثيقتين اللتين نشرهما الانفصاليون يبدو أن الهدف الذي حدده الرئيس بوتين وحلفاؤه هو رفض قادة أوكرانيا في كييف للمقترحات، ليتمكن بعدها من اتهامهم بخرق بنود الاتفاق التي على أساسها قبل بتقديم تنازله السياسي المتمثل في إعادة السيطرة على الحدود إلى الحكومة المركزية بانتهاء السنة الجارية.

وللوهلة الأولى تبدو وثائق الانفصاليين واعدة لأنها تقطع مع ممارسات سابقة، إذ لم يُؤتَ على ذكر المنطقتين غير المعترف بهما دونيتسك ولوجانسك المعروفتين لدى المتمردين باسم «الجمهوريتين الشعبيتين»، وبدلاً من ذلك تمت الإشارة إليهما بصفة «المناطق ذات الوضع الخاص». وبالرجوع إلى اتفاق مينسك، الذي لم يعترف به قط الانفصاليون، نجد أنه ينص على بقاء المناطق الشرقية جزءاً من أوكرانيا، كما يؤكد على تعيين كييف للقضاة ورجال الادعاء، ما يعني أنه إذا كان لمسؤولي المناطق الشرقية أن يظلوا في إطار الاتفاق عليهم عدم تغيير هذه المعطيات، وهو ما يبدو أنهم التزموا به حتى الآن. إضافة إلى إصرار، كما يسمح بذلك أيضاً اتفاق مينسك، باحتفاظ مناطقهم بالمليشيات المسلحة والإشراف على المناطق الشرقية. ثم هناك مطلب الإشراف المحلي على اللجان الانتخابية، والمراقبة المالية للإقليم بفرض الضرائب على الشركات المحلية، ما يسمح للسلطات بتدبير الموازنة. والأهم من ذلك ما تضمنه المقترح المطروح من قبل الانفصاليين من استعادة القانون الذي يؤكد الطابع غير المنحاز للجيش الأوكراني، وقد ألغاه الرئيس بيترو بوروشينكو، حيث من شأن القانون أن يحول دون تقديم أوكرانيا لطلب الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. وفي المجمل تبقى كل هذه المطالب داخل إطار اتفاق مينسك ولا تخرقه.

ولكن المقترح الوحيد الذي يخرق بنود الاتفاق هو إدخال قرى وبلدات ضمن قانون الانتخابات المحلية، والحال أن كل تلك القرى المشار إليه في المقترح أدخلها اتفاق مينسك ضمن حدود أوكرانيا بعيداً عن المناطق الشرقية. ولإضفاء الجدية على مقترحهم رفع المسؤولون شرق البلاد مقترحاتهم إلى كل من اللجنة الدستورية الأوكرانية المكلفة بوضع صيغة اللامركزية، وإلى مجموعة التواصل الدولية المكلفة برعاية اتفاق السلام بمينسك ومراقبة احترام الأطراف لوقف إطلاق النار. ومع أن المتمردين يسعون ظاهرياً، ومن ورائهم روسيا، إلى فتح حوار حول هذه المطالب مع السلطات في كييف، إلا أنهم يعرفون جيداً أن الأمر لن يحدث، وهو ما أكده أحد المسؤولين الأوكرانيين بالقول: «نحن لا نريد الرد على هذا الاستفزاز الواضح من قبل الانفصاليين».

ومن الواضح أن بوتين يريد من اللجنة الدستورية رفض المقترحات، ما يفسر رفع المطالب إلى مجموعة التواصل الدولية، لأنه من المهم بالنسبة له أن يقنع خصومه الغربيين بأن أوكرانيا لا تريد الانخراط لجلب السلام إلى المنطقة. ولعل هذا ما يفسر أيضاً استغلال بوتين لبعض تصريحات الرئيس الأوكراني بوروشينكو، مثل قوله: إنه سيحرر مطار دونيتسك ليؤلب عليه حلفاءه الغربيين الذين ما أن تتراخى هممهم ويتسلل إليهم الوهن حتى يعمد بوتين إلى تجميد الوضع في المناطق الشرقية لأوكرانيا وينشئ وضعاً على نموذج مناطق ترانسنيستريا في مولودوفا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بجورجيا.

وفي النهاية ستجد أوكرانيا نفسها في حيرة من أمرها، فهي لا تريد مناقشة دستورها الجديد مع بوتين ووكلائه، ولكن أي رفض للتفاوض لن يروق أيضاً للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ونظيرها الفرنسي فرانسوا هولاند، اللذين يرعيان اتفاق مينسك ويريدان من بوروشينكو إبداء مرونة أكبر، ولاسيما أنه لا يملك التفويض الشعبي الذي يسمح له بخلق مناطق حكم ذاتي موالية لروسيا في شرق البلاد، ليبقى رد فعله الوحيد هو إثارة فزع شركائه الغربيين بهجوم روسي وشيك لن يصدقه الغربيون إلا إذا رأوه بأعينهم.

ليونيد بيرشيدسكي*

*كاتب روسي مقيم في ألمانيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا