• الأربعاء 05 ذي القعدة 1439هـ - 18 يوليو 2018م

التلاعب الداعشي بالنساء هو المكافئ الوحيد لتلاعبهم بالنصوص الدينية

نساء الوثنية الجديدة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يونيو 2018

محمود قرني

«الوثنية الجديدة» ليست عنواناً لواحدة من الأحاجي التي تستعيرها اللغة كنوع من أمارات الاستظهار. لكنها في الحقيقة تمثيل لأعلى تعبيرات استئصال النص الديني باسم الدين على ما جرت به عناوين شتى، من بينها: «دين ضد الدين» للمفكر الإيراني علي شريعتي، «معالم في الطريق» لسيّد قطب، «الفريضة الغائبة» لمحمد عبد السلام فرج، و«إدارة التوحش» لأبي بكر ناجي.

الجميع هنا يطمح إلى صناعة دينه الذي يخص جماعته. فشريعتي يبدأ من اتقاد الرغبة في تنقية الدين من مخلّفات الاستعمار ومن مخلّفات أهله أيضاً. أما سيّد قطب فيبدأ منشوره التكفيري بالتقرير بأن البشرية «تقف اليوم على حافة الهاوية بسبب إفلاسها في عالم القيم..»، ثم يردف أن العالم كله يعيش في جاهلية، ومن ثم فإن التفوق الذي يجب أن يحرزه الإسلام يكمن في العودة لقيادة البشرية عبر تفوقه العقائدي وليس المادي، إذ التفوق المادي إلى زوال أما القيمة الإيمانية فباقية! وهنا تبدو العزلة التي اختارتها «الوثنية الجديدة» مستلهِمةً لفكرة قديمة هي فكرة «الفرقة الناجية»، حيث يتم تعظيم فكرة ضلال الأكثرية، ومن ثم البحث عن هجرة داخلية تتمثل في قطيعة مع العصر ومعطياته، وصولاً إلى تكفير الحاكمين والمحكومين على السواء.

الصمم الحضاري

ولن يندهش المرء حين يتابع السجناء من تلك التيارات وهم يرددون في غدوهم ورواحهم نشيداً يقول مطلعه: «غرباء. هكذا الأحرار في دنيا العبيد»! إن تلك الوثنية هي التي دفعت مُنَظِّر تيار السلفية الجهادية محمد عبد السلام فرج صاحب كتاب «الفريضة الغائبة» إلى القول بأن عموم المسلمين لم يبق لهم من إسلامهم غير الاسم. ويبدو أن المعنى الجديد للتديّن مأخوذ من فيزياء المعادن كما يشير «اشبنجلر» ومن بعده «أوليفييه روا» وكذلك عدد لا بأس به من مفكري الشرق والغرب. لكن المعنى هنا تتضاعف حمولته من كون تحولات المعادن ربما هي الفعل الزمني الوحيد غير المتأثر بالزمن، لذلك يُعد تمثيلاً لأعلى درجات الصمم الحضاري إذا صح هذا التعبير. وبهذا المعني أيضاً فإن تغييب الله بتغييب نصوصه أو بتغييب نصوص لصالح نصوص أخرى هو ما يميز تلك الوثنية، لكن المدهش أن ذلك يتم أيضاً باسم الله. وقد جرت أدبيات الإسلاميين الجذريين على تحميل النفوذ الغربي، لاسيما في حقبته «الكلونيالية»، مسؤولية تكاثر ذلك العقل الاستئصالي باعتبار أنه لا بد من ربط تلك الانحرافات الفقهية بعامل يقع خارج إرادتها حتى تتحقق لها فكرة خلق العدو، ومن ثم خلق الذرائع لفكرة الجهاد. وتبدو المسافات المتباعدة يوماً بعد يوم بين تلك الأصولية بلغتها اللَّدُنِيَّة وبين الثقافة بمحتواها التداولي واحداً من ملامح أزمة الديني والثقافي في آن. فالديني هنا يمثل أعلى حالات الرفض لأي معرفة سوى المعرفة العقائدية باعتبار أن المرء لا يحتاج إلى المعرفة لكي يذهب إلى الجنّة، وكذلك لأن المعرفة قد تحرف الإيمان عن مساراته لأنها بنت السؤال، بينما الدين ابن التسليم.

ثلاث فتاوى

ولا أظن أن ثمة مفارقة كبيرة ستتبدى لنا إذا ما حاولنا قراءة المشهد ذاته عبر صورة المرأة «المجاهدة»، بما في ذلك صفاقة التواطؤات الغرائزية لما يسمي بـ«جهاد النكاح». فقد ظلت تلك الصورة رهناً لسلفية تكاثرت في رحمها المحظورات الدينية والاجتماعية على السواء، حتى أنها باتت تمثّل تلاعباً مقززاً بالنصوص والترجيعات الفقهية على مدى العصور. فما بين عامي 2015 و2017 صدرت ثلاث فتاوى من زعيم تنظيم «داعش» أولاها تبيح خروج المرأة للقتال، أما الثانية فتعيدها إلى خدمة الرجل، وتأتي الثالثة لتتراجع عن الثانية وتعيدها مرة أخرى إلى ميدان القتال. فأي دين بين تلك الأحاجي يمكن للمرء أن يختار؟! وأي جنسانية يمكن للمرء أن يتلمسها في خطاب يبدو تأنيثه مستحيلاً؟! هذا يعني بشكل ما أن تلك الثقافة لا زالت تنظر للمرأة باعتبارها جزءاً من الموارد الطبيعية لبلاد الإسلام أو إنها، بالمعني الفقهي، الحرث الذي جعله الله غيثاً لبذور لم تبذر بعد، وإن شئنا الدقة، مستودعاً لقنابل لم تنفجر بعد! ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا