• الاثنين 10 ذي القعدة 1439هـ - 23 يوليو 2018م

الإرهاب النسائي فصل جديد في إخضاع النساء لهيمنة الرجال

المرأة.. تاريخ من التَّرويض والتَّعنيف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يونيو 2018

د. أمّ الزين بنشيخة المسكيني

إذا كان الاهتمام بقضيّة المرأة قد انصبّ منذ قرن من الزمن على معارك تحرّر النساء من الهيمنة الذكوريّة، وعلى صورة المرأة كضحيّة لعنف تاريخيّ مطوّل يعود إلى آلاف السنين مارسته البنى الثقافية والسياسية الأبويّة، فإنّ الدراسات النسوية والجندرية مطالبة اليوم بالاشتغال على ظاهرة أكثر إحراجاً وخطورة: كيف نفهم ظهور نساء إرهابيات يشتغلن ضمن منظومات العنف المعولم تحت راية سلطة بطريكيّة متطرّفة؟ هل أنّ التحاق النساء بالإرهاب كأقصى تجليات اللاهوت الذكوريّ المتطرّف، هو ردّة فعل على تاريخ العنف المخزّن في ذاكرة النساء أم هو استئناف جذري لهيمنة الذكور التي تصنعها النساء وتؤبّدها على نحو مفزع؟ كيف نفهم ظاهرة «الإرهاب النسائي» (1) الذي استفحل فجأة بعد «الربيع العربي»؟ من أجل مواجهة هذه الوضعيّة التأويلية المزعجة، سنحاول اختبار الأطروحة التالية: «الإرهاب النسائي» هو التعبيرة الرمزية الراهنة عن ضرب من العدميّة النسوية السالبة الناجمة عن تأبيد تاريخي مؤلم للهيمنة الذكورية على النساء. لذلك علينا إعادة المرور بتاريخ العنف على النساء من أجل فهم انخراط النساء في منظومة العنف الإرهابي المعولم.

لكن كيف نكتب تاريخ العنف على النساء؟

لا بدّ من الإشارة أوّلا إلى أنّ تاريخ النساء هو مفهوم ظهر حديثا منذ سبعينات القرن الماضي من أجل التأريخ للنضالات النسوية الحديثة التي عرفها الغرب منذ 1791 تاريخ أوّل اعتراف بالمرأة كمواطنة إبّان الثورة الفرنسيّة. وأنّ كتابة تاريخ النساء إنّما هو إذن كتابة لتاريخ أشكال العنف عليهنّ منذ أن سرقت راحيل التراقيم من بيت أبيها إلى بيت زوجها، في قصص الآباء في «سفر التكوين»، (1050 سنة قبل الميلاد) إلى صدور الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان (1948)، حيث وقع الاعتراف رسميّا لأوّل مرّة بالمساواة الكونيّة التامّة بين جميع الناس في جميع الحقوق والواجبات. لكن تاريخ النساء هو أيضاً تاريخ عبادة الأمّ، وزمن الربّات في الشرق القديم، وتاريخ الكاهنات والساحرات والملكات والعالمات والشاعرات..هو تاريخ هاجر التي أشار إليها القرآن وارتبط طقس الحجّ بقصّتها، والخنساء الشاعرة، وعائشة أمّ المؤمنين..هو تاريخ الزعامات (2) والقيادات: زنوبيا ملكة تدمر وعلّيسة مؤسّسة قرطاج وروزا لكسمبورغ وحنّا آرندت وسيمون دي بوفوار.. غير أنّ هذه الأسماء لا يحفظها التاريخ الذكوريّ إلاّ من أجل تصنيفها في خانة نسويّة لا تملك نفس القدر من الاهتمام مثلما يملكه الملوك أو الشعراء أو الأنبياء أو الفلاسفة الذكور. ثمّة فرق ما بين الذاكرة التي تدوّن من وجهة نظر الضحايا أو المهيمَن عليهم وبين التاريخ الذي يكتب من وجهة نظر المهيمِن أو المنتصر.

ميتافيزيقا الأجناس

كيف تمّ إخضاع النساء لهيمنة الذكور؟

لقد انخرط في هذا السؤال الثقيل باحثون وفلاسفة ومؤرّخون اتفقوا على ضرورة العودة إلى البنى الرمزية والروحية العميقة التي تجد في المخيال الميثولوجي العميق للشعوب تعبيراتها الأساسية من أجل التأريخ لسياسات «المذكّر والمؤنّث» ولأسس النظام الأبوي تحديدا. وهو ما يسمّيه بيار بورديو «بالعنف الرمزي» الذي يجد في«البناء الاجتماعي للأجساد» (3) استراتيجيّة أساسية من أجل بناء كسمولوجيا المركزية الذكوريّة. وتذهب الفيلسوفة الفرنسية سيلفيان أغسنزكي إلى الحديث عن نوع من «ميتافيزيقا الأجناس» القائمة على «تواطؤ المخيال الميثولوجي مع الهيمنة الذكورية» من أجل الهيمنة على النساء، وذلك وفق نوع من المماهاة بين «الفحولة والحياة الروحيّة.. وكأنّما الذكر هو جنس العقل أو الروح، في حين تبقى الأنثى ملتفتة نحو الشهوة ونحو الأرض وهذا جليّ في نصوص آباء الكنيسة... ذلك أنّ الأسطورة لا تُضاف إلى الواقع إنّما تشكّله» (4). ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا