• الاثنين 03 ذي القعدة 1439هـ - 16 يوليو 2018م

هل من وجود مشترك بين القصيدة والفكر؟

«سيزان» يفكر.. «هايدغر» يرسم

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 28 يونيو 2018

إعداد: أحمد عثمان

في عام 1958، صرح مارتن هايدغر (1889-1976) في جامعة سان-اكس-أون-بروفانس (فرنسا): «وجدت هنا طريق بول سيزان (1839-1906) الذي يطابق- منذ بدايته حتى نهايته- طريقي الفكري بصورة من الصور». ما هو معنى هذا التصريح الذي يجعل فيلسوفاً ورساماً يتلاقيان عند نقطة معينة على نفس المستوى ؟ وهذا السؤال في حد ذاته يعتبر نقطة انطلاق هذا الكتاب، الذي يعد بدوره تأملاً خاصاً عن التطابق بين ثورتين فكريتين شبه معاصرتين: ثورة الفن الحديث ثم ثورة الفينومينولوجيا. ولكن في منظور هذا التطابق، لا يتعلق الأمر بتاتاً بإقامة حوار بين الرسم والفكر الفلسفي، وإنما بالعمل على «تغذية» الفلسفة بتجربة مجسدة للفكر والنظرة السيزانية، اللذين، عبر اللون والكلام، يكشفان جلياً عن التجربة الإنسانية في الوجود ومدلول - وهو الملازم دوماً لمسألة الوجود - المسؤولية تجاه العالم، أي عالمنا، في يومنا الحالي.

في هذا الشأن، كرس الفيلسوف الفرنسي هادريان فرانس-لانور كتابه «اللون والكلام – طرق بول سيزان ومارتن هايدغر»، الصادر مؤخراً عن مطبوعات غاليمار، لكي يلقي الضوء على المسائل المشتركة التي تقاسمها سيزان وهايدغر.

في بعض الأحايين، هناك نقاط التقاء عميقة بين الفنانين والمفكرين الذين يصلون إلى نفس النقطة، ولكن بالتأكيد من طريق مختلفة. تلك هي حالة هايدغر وسيزان، رغماً عن نصف قرن يفصل بينهما. حينما نقول «نفس النقطة»، يتعلق الأمر بنفس السؤال، الذي يقع في قلب كتاب فرانس-لانور. كل هذا الطريق لإدراك سؤال معين؟ أهو سؤال «كبار العباقرة»؟: بالنسبة للرسام كما بالنسبة للفيلسوف، السؤال هو سؤال الوجود. قول سؤال الوجود، يعني منذ البداية استبعاد سؤال الموضوعات، التمثل، الفن كمحاكاة.

لا يسعى سيزان، بوساطة اللون، إلى تبيين الطبيعة كما هي ولا الموضوعات المستلة والمختارة، كما صورها في لوحته «جبل سانت- فيكتوار»، مثلاً. بل، في الأساس، يبحث عن ترجمة الظهور نفسه للجبل، الطريقة التي يتبدى عليها، هذا السر لوجود «يتكلم»، «يوجه كلامه لنا»، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في حدوده ولا حتى في رسمه ذاته.

من الشائع تجاهل وجود الأشياء والرجوع إلى فائدتها – انتهى مصير الجبل إلى أن أصبح بطاقات سياحية تحمل توقيع الرسام، ولكن الرسام، من ناحيته، كان حاضراً للحفاظ على ما يغطيه المجتمع التقني والاستهلاكي: المرئي في ظهوره غير القابل للاختزال، المرئي طالما يبدي المعنى، ولكن أي معنى؟ المعنى خاصته وليس ما نفرضه عليه، بإخضاعه لأحكام وتصورات مسبقة.

هنا، بحث هايدغر الطويل، الذي اكتشف «في طريقه» سيزان، وكتب ثلاث قصائد أو بالأحرى ثلاث ترجمات لنفس النص، من عام 1970 إلى عام 1974، حيث الأولى تنتهي على: «درب ضيق ينفتح هنا، هل سوف يفضي إلى وجود مشترك بين القصيدة والفكر؟». رسوم سيزان تفكر، حينما تكون لغة هايدغر الفلسفية شعرية. الرسام فينومينولوجي، وميرلو-بونتي وهايدغر لم يخطئا في نظرتهما إليه، وهو ما عمل هادريان فرانس-لانور على توضيحه في متن كتابه.

(1) La Couleur et la Parole - Les chemins de Paul Cézanne et de Martin Heidegger, par Hadrien France-Lanord, coll. L›Infini, Gallimard, 288 pages, 23,50 €.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا