• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

درب المحبة.. نبع الحياة

بحثاًً عن الغنى الأكبر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 أكتوبر 2016

د. عزالدين عناية

تُطرح في أوساط المهتمّين بالقضايا الدينية تساؤلات بشأن الدور الوظيفي للمخزون الروحي للأديان في بثّ السكينة في مجتمعات تعاني من حالات الثوران، وذلك في ظرف مشوب بالارتباك والاضطراب. فهل بوسع نهج التصوف وسائر التجارب الروحية، الإسهام في تخفيض منسوب القلق والخوف والعنف الذي يجتاح عالمنا؟ صحيح أن التجارب الدينية متنوعة، ولكن يبقى التطلّع الجوهري لمختلف أصنافها متلخّصاً في السعي لدحض القلق العميق الذي يكتنف عالم الإنسان، أو حسب تعبير هايدغر، لتخفيف وطأة الوجود الذي قُذف فيه وأُسلم للموت.

في أدبيات الدراسات الدينية المنضوية تحت علم الأديان، صيغت جملة من التفسيرات بشأن طبيعة التجربة الدينية وفحواها، هل هي فطرية أم اجتماعية أم نفسية؟ بلغ فيها الأمر حدّ اعتبار الدين حالة باثولوجية، لكن ما هو ثابت وملازم في هذه الرحلة الوجودية، التصاقها بأطوار الكائن البشري، منذ أمد بعيد، وهو ما أوحى بنعت الإنسان بالكائن المتدين (homo religiosus). لكن التجربة الروحية، في خضمّ التجارب الطقوسية والتشريعية والاجتماعية، هي ما يعنينا في الأساس، بوصفها تجربة ذوقية تجلَّى من خلالها الدين، فهل ثمة حاجة فعلية لذلك الخيار في راهننا؟ إذ صحيح أن مجمل الأديان، وحتى التي لا ينطبق عليها مفهوم الدين المتكامل، قد شهدت في أحضانها منشأ ظاهرة التسامي الروحي بين صفوة من أتباعها، ممن يذهبون إلى غور الإيمان، يبتغون وجهه الكريم ولا يقفون عند حدود المرئي الطقوسي أو التقعيد العقدي، وقد رُصد ذلك سواء لدى شامان سيبيريا أو لدى نُسّاك الصحاري، مروراً بتقاليد دينية أخرى.

موسيقى الروح الجامعة

حيث يسود في أوساط تلك الصفوة انسجام مع الكون، وتغمر حلقاتهم أجواء سكينة وفيض محبة، ما يشي بوحدة نبضات قلب الروحاني وتوهّج روحه وإن تناءت المسافات وتباينت المجتمعات. ويتلخّص عمق التجربة في حضور فاعل في الوجود، عماده المحبة والإجلال للكون وما حواه، وليس حضوراً سلبياً باهتاً. إذ ثمة انسجام للأنا مع الكون، يصحبه رضا السالك. ولو تمعّنّا الأمر، فمفردة (mystique) في اللغات الغربية، التي عادة ما تترجَم إلى العربية بالتصوف، هي معراج نحو العجيب ومرقى مؤداه إلى الجليل، تطبع سالكه روح شفافة يضنيها العشق، لما يكابده من شجن من شروط عيشنا وضيق تصوراتنا مدفوعاً في ذلك بالشوق والوله عبر تطوافه.

في هذا السياق، تمثّل «موعظة الجبل» في التراث الإنجيلي مشروعاً روحياً خالصاً، يتأسس في ضوئه الترقي الروحي الأكبر. فلا يمكن الحديث عن قرب لله تعوزه المحبة. حيث تحدد تطويبات موعظة الجبل: طوبى للمساكين.. طوبى للحزانى.. طوبى للودعاء.. طوبى للجياع والعطاش.. طوبى للرحماء.. طوبى لأنقياء القلوب.. طوبى لصناّع السلام.. طوبى للمطرودين، التي صدح بها المسيح، المنطلقَ الجوهري لتطهير الكائن. ولذلك منذ عهد الإمبراطورية الرومانية التي عايشها الناصري إلى لاهوت التحرر الحالي في أمريكا اللاتينية ثمة محورية روحية لموعظة الجبل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف