• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

تخليص الكلمات من طاقات التسمية والتعيين

التأويل الصوفي وتجربة «الحقيقة»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 أكتوبر 2016

سعيد بنكراد

يُنظر إلى التأويل في أكثر تعريفاته شيوعاً باعتباره محاولة لاستعادة تجربة صيغت في المعاني المضافة بعيداً عن المحددات التعيينية المباشرة، أو هو الكشف عن «مناطق» في الإنسان لم تستوعبها حالات التمثيل التقريري. يتعلق الأمر بالبحث في ذاكرة الوقائع ذاتها عن قصد آخر غير ما يقوله المنطوق أو الممثل فيها. إنه في الحالتين معاً «نقل لظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهر اللفظ» (لسان العرب)، أو هو«العدول باللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لا دليل عليه» (المعجم الكبير). إن المؤول لا يبحث عن معنى جاهز في النص، بل يلهث وراء ما يمكن أن يقود إلى استنفارٍ لمخزون دلالي لا يشكل الظاهر في الألفاظ والوقائع سوى طبقة من طبقاته. هناك تشكيك في قدرة الكلمات على قول ما يصدق على حقيقة الكائنات والأشياء وحدها.

إنه يتضمن، من هذه الزاوية، التفسير الباطني للنصوص الدينية (نظرية المعاني الأربعة في الكتاب المقدس)، وتُصنف ضمنه أيضاً شطحات الغنوصية والهرمَسية القديمة وكل التأويلات التي تبناها منتمون إلى مذاهب دينية بغاية الانزياح عن تفسير مشترك يستقر على معنى واحد يجمع بين الضمائر والعقول. وهو المبدأ ذاته الذي تبنته كل التيارات الصوفية على اختلاف مشاربها واتخذته سبيلاً وحيداً نحو الاستغراق في ملكوت الله. وذاك هو معنى التأويل في اللغة، فهو دال على الرجوع والعودة، ومنه اشتق المآل الذي يشير إلى مصير نهائي، أي ما يصير عليه «الحال».

وهو ما يعني أن التأويل في الطقس الصوفي لا يقود إلى معنى قابل للتجلي داخل سياق مخصوص، بل إلى الانحلال في «عادة» سلوكية تفتح الذات على باريها ضمن حالات انفعال مطلق، فالعلامة تموت لحظة انكفائها على ذاتها، «إنها تجنح إلى تشكيل عادات هي الفعل العملي» حسب ما يقول بورس. يتعلق الأمر بمحاولة لتقليص «الفجوة الفاصلة بين المعرفة والحس» حسب كريماص: إنه انجذاب نحو الوحدة المنشودة، أو تجل لانفجار الواحد الكلي. وإلى ذلك استند المتصوفة في تصورهم للأولوهية: فهي « كنز مخبوء قرر أن يُعرف»، وذاك سر «إيجاد الوجود» وغايته، ومن هذه المعرفة أيضاً يَصِل المرءُ ذاتَه بذات خالقه «فمن عرف نفسه فقد عرف ربه».

وبذلك عُد التأويل عند الصوفي أداة لتحرير المعنى من قيود السياقات المألوفة، أي تخليصاً للكلمات من طاقات التسمية والتعيين داخلها. ما يعني انتشالاً للذات المتصوفة مما تراه العين عياناً، أو مما يتشكل في الذهن باعتباره معادلات مصدرها الإحالة على التجربة المشتركة وحدها. فما يعيشه الصوفي في اللغة وفي الطقوس وفي تفاصيل حياته لا يمكن أن يكون سوى سبيل نحو الانغماس في «حالات استيهام» تستوعب كل «حالاته» بما يؤدي به إلى مطلق ينتهي عنده كل شيء ضمن «مقام» هو الدال على «الفرق»: «فناء عن الخلق بقاء للحق»، «فلا وجود للأعيان الثابتة خارج الذات الإلهية».

عودة إلى الواحد الكلّيّْإنها عودة الذات إلى الواحد الكلّيّْ القادر على استيعاب كل التناقضات، أي استثارة حالة إيجاب مطلق تُصفي الكون من شروره (نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا). فإذا كان العقل يدرك التعدد وحده، ففي المتصل انتفاء المعنى، فإن الوجدان الروحي يمسك بالهلامي والملتبس وما استعصى على التقاطبات الضدية، أي ما ليس مدرجاً ضمن آليات التأمل المنطقي. يتعلق الأمر بالانتشاء بما يمكن أن يوجد خارج الزمنية وضدها، ذلك أن «الزمن محاكاة مشوهة للخلود» كما أعلنت الغنوصية ذلك. إن الله يوجد خارج التقاطب، فهو « ليس محصوراً ولا محمولاً ولا محدثاً»، كما يقول المتصوفة، «فالله تعالى ليس في شيء أو من شيء أو على شيء»، ومن قال بذلك فقد أشرك. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف