• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

هل ينقذنا التصوف من براثن التطرف؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 06 أكتوبر 2016

هاشم صالح

أعتقد شخصيا أننا لن نخرج من أخطر محنة في تاريخنا إلا بانتهاج طريقين مختلفين ومتكاملين في آن معاً. الطريق الأول هو الكشف عن القيم الروحانية والإنسانية في تراثنا العربي الإسلامي الكبير. وهي المتجسدة عموماً في التصوف والأدب العربي العظيم بشعره ونثره. والطريق الثاني هو إعادة الاعتبار لقيم العقلانية الفلسفية والتفكير المنطقي السليم. وهي قيم مطموسة من قبل الاغتصاب الهمجي الذي تعرض له هذا التراث العريق على يد الدواعش والداعشيين ومن والاهم وأشبههم من «قاعديين» وإخوان مسلمين الذين ينحرون الآن الديمقراطية باسم الديمقراطية! وهذه أكبر خدعة أو أكذوبة تسيطر على العرب حالياً. إنها فضيحة حقيقية. أكثر أنظمة العالم تكميماً للأفواه وملاحقة للكتاب والصحفيين وتواطئاً مع الداعشيين، تحول فجأة إلى نموذج يُحتذى على الديمقراطية!

لا معنى لأي ديمقراطية من دون احترام لدولة القانون والحريات الأساسية وعدم التمييز بين المواطنين على أساس عرقي أو طائفي. وإلا فإن الديمقراطية تتحول إلى مصادفة فارغة أو مفرغة من مضمونها ومحتواها. الديمقراطية ثقافة متكاملة وليست مجرد صناديق اقتراع. هذه ديمقراطية صورية شكلانية. هتلر أيضاً انتُخب ديمقراطياً وبأغلبية الأصوات وكانت النتيجة التي نعرفها. ثم كيف يمكن لأكبر أيديولوجيا توتاليتارية في تاريخ الإسلام -عنيتُ أيديولوجيا الإخوان المسلمين- أن يكون لها أي علاقة بالديمقراطية والفلسفة السياسية الحديثة؟ وأضيف إليهم جماعة «نور الدين زنكي» التي ارتكبت فاحشة كبرى مؤخراً في نواحي حلب بذبح طفل فلسطيني لا يتجاوز الثالثة عشر ربيعاً. إنا لله وإنا إليه راجعون. والله عندما أتذكر صورته كالملاك وهو يستغيث ويتخبط بين أيديهم كالعصفور ويطلب الرحمة من جلاديه يكاد يُجنّ جنوني. ثم يصرخون: الله أكبر، بعد ذبحه! لكأن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يخلع المشروعية على ذبح طفل؟ كيف شوّهوا الدين الحنيف إلى مثل هذا الحد؟ كيف انقلب دين الرحمة إلى عكسه؟ اسألوا المفكر الفرنسي البروفيسور إريك يونس جوفروا أستاذ التصوف الإسلامي في جامعة ستراسبورغ. فعنده الخبر اليقين.

إرهاب لاهوتي كهنوتي

هنا تكمن مشكلة الإرهاب اللاهوتي في تاريخنا. ضعوا في أذهانكم هذا المصطلح القديم الجديد: عصر الإرهاب اللاهوتي الكهنوتي. متى سنخرج منه؟ إنه معضلة المعضلات، وللأسف فإن الفكر العربي المعاصر عاجز عن مواجهته. لا يوجد لدينا فولتير ولا ديدرو ولا كانط ولا روسو هذا ناهيك عن نيتشه أو فويرباخ! لو وُجدوا لفككوا هذا اللاهوت القاتل من أساسات أساساته. والله إنها لفضيحة تلك الحال التي هي عليها الفكر العربي الحالي. أقول ذلك وأنا أشعر بالألم والعجز في آن معاً. فلولا توهم هؤلاء الوحوش بأنهم محميون لاهوتياً لما تجرؤوا على ذبح طفل في عمر الورود.

على أي حال هنا يتدخل التصوف الروحاني والإنساني الرائع لكي يرد عليهم ويفحمهم. هنا يتدخل لكي يحتل مكانته العظيمة على يد الأقطاب الكبار من أمثال: المحاسبي والبسطامي ومحيي الدين ابن عربي وحتى الأمير عبدالقادر الجزائري الذي حمى المسيحيين في دمشق من مجزرة كبرى العام 1860. هذا مسلم حقيقي، مسلم عظيم.. وأما الطريق الثاني فيتمثل في استكشاف الأبعاد العقلانية والفلسفية لهذا التراث بالذات. وهي أيضاً مطموسة مثل الأولى. مَن يعطي دروساً عن التصوف في مدارسنا وجامعاتنا؟ مَن يتجرأ على الاستشهاد بأبيات ابن عربي الخالدة عن دين الحب؟ ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا