• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

قيل كثيراً إن العرب ظاهرة صوتية.. لكن هذا القول تجاوزه الزمن، فقد أثبتت الأحداث والمآسي أن العرب سُدى وصدى وليسوا صوتاً.. وأن السياسة العربية هي سياسة رد الفعل!

سُدى.. وظلمات بلا هُدى!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 05 أكتوبر 2016

محمد أبوكريشة*

هل بقيت للعرب أوراق يلعبون بها أو يناورون ويساومون بها على الطاولة الدولية؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير عناء وتفكير.. والشواهد لا تخفى على ذي عينين في كل المنطقة المحصورة بين المحيط والخليج.. وقد أضاع العرب الوقت كله في إلقاء اللوم على الآخر الغربي أو الشرقي أو الإقليمي.. ولم يوجهوا اللوم مرة واحدة إلى أنفسهم ولم يقولوا يوماً ما قال الشاعر: وإذا فرق الرعاة اختلاف.. علموا هارب الذئاب التجري.. بل إن السؤال الأشد إيلاماً ووجعاً للقلب هو: هل نحن فعلاً أمة عربية واحدة أم أن هذه مجرد فكرة نظرية وشعار سرابي رددناه كثيراً حتى صدقناه وتوهمناه حقيقة ماثلة لا تقبل التشكيك؟ الحق أن الأمة العربية الواحدة لم يكن لها وجود عملي وواقعي منذ وعيت على الدنيا لكنه كان دوماً وجوداً هتافياً شعارياً انفعالياً.. والحقيقة أن الخلافات العربية- العربية التي بلغت حد الاحتراب والعداء والخصومة لم تنطفئ يوماً ما، وأن الخصومة كانت دوماً أصيلة وصادقة، لكن المصالحات كانت طارئة وقشرية وكاذبة ومجرد عناق وابتسامات لدواعي التصوير.

وقد كانت أوهام الأمة العربية الواحدة مستورة ومغطاة عندما كان العالم ثنائي القطبية.. حيث كان القطبان الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يخطبان ود العرب ويقتسمان النفوذ في الدول العربية.. فكان جزء من الأمة العربية متغطياً بالاتحاد السوفييتي والجزء الآخر متغطياً بالولايات المتحدة.. وذلك هو الخطأ التاريخي للعرب وأعني به خطيئة التبعية غير المشروطة وحرق المراكب في الهرولة نحو القوتين العظميين آنذاك.. فحين انهار الاتحاد السوفييتي وصار العالم أحادي القطبية حصلت الولايات المتحدة على حريتها كاملة في إبعاد هذا وتقريب ذاك بلا خوف من قوة أخرى قد يهرول إليها من لفظته أميركا وأبعدته.. كما حصلت الولايات المتحدة على حرية مطلقة في تغيير تحالفاتها انطلاقاً من قناعتها بأن أحداً لا يملك لها بديلاً ولا قبلة أخرى يولي وجهه شطرها.

وحانت لحظة الحقيقة (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)، وقال الذين اتبعوا بعد فوات الأوان: (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا).. لكن لم تعد هناك كرّة أخرى بعد أن انفردت أميركا بالكعكة العربية كلها تأكلها بلا عجلة من أمرها قطعة قطعة.. ولكن القول ما قاله الشيطان: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم).

راهن العرب رهاناً خاسراً طوال الوقت، وهو رهان الثبات والسكون في السياسة.. فتصرفوا بلا وعي على أساس أن التحالفات دائمة والصداقات ثابتة والعداءات لا تتغير، وأن السياسة تحكمها المبادئ والأخلاق التي لا ينبغي أن نحيد عنها.. وأن من شيمنا الوفاء بالعهد والإخلاص للصديق وإعطاء الأمان بلا حذر ولا خوف وأن الليلة تشبه البارحة والغد يشبه اليوم.. فكانت النتيجة حصاد الهشيم وقبض الريح وإذا الدنيا كما نعرفها وإذا الأحباب كل في طريق على رأي الشاعر إبراهيم ناجي.

ليس اللوم أبداً على من خان، ولكن اللوم على من أعطى الأمان.. والسياسة الدولية لا تعرف الأخلاق ولا الثبات ولا الوفاء، وأنجح السياسيين في الغرب أقذرهم وأقدرهم على الغدر والتآمر وقول شيء وفعل شيء مضاد تماماً.. وما زال العرب يراهنون على أن السياسة الدولية لابد أن تكون قائمة على الأخلاق والمبادئ والقيم.. ويتحدثون عن مخالفة قانون «جاستا» الأميركي لقواعد ومبادئ القانون الدولي.. ولست أدري، ويبدو أنني لن أدري أبداً أين هو القانون الدولي؟ وهل «جاستا» أول أو آخر مخالفة أميركية أو اختراق أميركي للقانون الدولي؟ أين هذا القانون الدولي في غزو العراق وتدمير أفغانستان ورفض أميركا الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية وانحيازها المقيت لإسرائيل وتبريرها للاحتلال والقمع وكيلها بألف مكيال في كل القضايا التي تخص العرب؟

أسئلة عادية ولا جديد فيها، ومع ذلك يلدغ العرب من الجحر ألف مرة.. وما زالوا مصممين على المواقف الثابتة والمبادئ الراسخة.. وما زلنا نرضى الدنية في قضايانا التي لا أعلم هل هي قضايانا كلنا أم أن كل دولة عربية لديها أجندة ما تخصها في كل قضية.. وقد تعارضت الأجندات العربية حتى لم يعد أحد يعبأ بمواقف العرب أو برفضهم أو قبولهم.. وبترحيبهم أو إدانتهم.. بل الأنكى أن هناك من يستخدم الدول العربية ضد بعضها.. فلا تلوموا الشيطان ولوموا أنفسكم.

وقد قيل كثيراً إن العرب ظاهرة صوتية.. لكن هذا القول تجاوزه الزمن فقد أثبتت الأحداث والمآسي أن العرب سُدى وصدى وليسوا صوتاً.. وأن السياسة العربية هي سياسة رد الفعل وليست سياسة الفعل، وأن الزوابع العربية بعد كل ضربة نتلقاها سرعان ما تخمد ولا تتجاوز الفنجان الذي ثارت فيه.. وهناك إصرار عربي على الثبات والسكوت والسكون (ودعونا ننتظر ونترقب ونتابع باهتمام).. ولم يأخذ العرب زمام المبادرة ولم ينتقلوا يوماً من خانة الصدى والسُدى.. بل إن العرب يرون أن إعادة النظر تخلٍّ عن المبدأ، وأن تغيير المواقف عيب لا يليق، وأن التحرك في اتجاه آخر نكوص ونقيصة.

وأكاد أجزم، أو قل إنني أتوقع ما تحمله الأيام القادمة بعد تمرير قانون «جاستا» ورفض فيتو أوباما في الكونجرس الأميركي.. أتوقع الأمر المعتاد أميركياً وعربياً وهو أن وفوداً أميركية من الإدارة والكونجرس ستهرول إلى المنطقة العربية لشرح قانون «جاستا» وطمأنة الدول العربية وتأكيد رسوخ العلاقات العربية الأميركية.. وربما تتم الزيارات قبل أن ينشر هذا المقال -ربما تمت بالفعل- وهو أمر معتاد بعد كل تحرك أميركي مثير للشكوك والمخاوف.. فقد توافد الأميركيون على دول المنطقة العربية بعد الصفقة النووية الأميركية والغربية مع إيران.. وتوافدوا بعد غزو العراق.. وبعد تدمير ليبيا.. وبعد الانغماس الروسي في سوريا.. وكانت النغمة الدائمة هي نغمة الطمأنة رغم أن الصفقة المشبوهة مع إيران لم تكن، ولن تكون مطمئنة على الإطلاق.. وأن نتائج هذه الصفقة بدأت، وما زالت تظهر تباعاً.. في إطلاق يد طهران بالمنطقة العربية بالسكوت والتغافل والتشجيع.. وفي تولية الوجه الغربي شطر إيران على حساب الدول العربية، وفي قانون «جاستا» الذي لن يكون آخر الغزل الأميركي لإيران، والذي يبدو أنه سيثمر قصة حب ملتهبة تنتهي بزواج كاثوليكي.. وما زال العرب رغم كل ذلك صدى وسُدى، ويمشون في ظلمات بلا هدى!!

* كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا