• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

السيف والحرية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 يناير 2015

محمد بنيس

(1)

عاشت فرنسا في الأسبوع الماضي مأساة هزت العالم. إرهابيان اقتحما، باسم الإسلام، مقر المجلة الساخرة، شارلي إيبدو، وسط باريس، وقتلا إثني عشر شخصاً خلال اجتماع هيئة التحرير. وفي اليوم الموالي قام إرهابي آخر بصرع ضحية، ثم انتقل إلى احتجاز وقتل رهائن ليلة السبت في متجر يهودي. ثلاثة أيام من الدم المسفوح، باسم الإسلام، وباسم الانتقام للإسلام ولفلسطين. أيام من أيام القيامة في عاصمة الحرية، حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير. ولم يكن لي كغيري سوى أن أشاهد هذا الذي يحدث. أشاهد وأتابع الصور والتعليقات والمراسلات الصحفية. من قناة تليفزيونية إلى أخرى. ومن صحفية إلى أخرى. يوم قيامة بدون إنذار، يرتفع فيه السيف ليقطع دابر الكفرة كما يقولون.

الإرهابيون الثلاثة من أبناء فرنسا. ليس للعالم العربي ولا الإسلامي دخل لا في تربيتهم ولا في تكوينهم الديني أو الاجتماعي. إنهم مختلفون، من هذه الناحية، عن الأصوليين الذين هاجموا برجي التجارة العالمية في 11 سبتمبر، أو عن الأصوليين الذين أصبحوا يرفعون سيفهم في بلاد عربية وإسلامية، منذ الثمانينيات من القرن العشرين. شبان فرنسيون، يكشفون عن وجههم المتعدد. فهم مجاهدون، قائمون على الإفتاء وتطبيق الحد. من تلقاء أنفسهم يرفعون الستائر ويصعدون على الخشبة ليسفكوا الدماء. ونحن نشاهد المأساة تلو المأساة، في بلدان غربية. نتتـبع ونتألم. وها هو الإرهاب يوقع، باسم الإسلام، ضحايا من بين أبناء الغرب كما يوقع ضحايا من بيننا.

(2)قد نقول إن هذا الذي يحدث بعيدٌ عنا، ولا يمسنا. فهؤلاء القتلة، ينتسبون إلى مجتمعهم الأوروبي. لكن هناك ما لا يقبل التأجيل. وهو أن كل مسلم تلقى تربية حضارية لابد أن يدين هذه الجرائم وهؤلاء هم الأصوليون. فالإدانة موقف يجب أن يتوحد فيه المسلمون. بدون تأخير. ومن الواجب، في هذه الحالة، أن يتحرك المجتمع بمؤسساته للتعبير عن إدانته الجماعية. وله أن يختار الصيغة الملائمة للتعبير عن هذه الإدانة، التي لها أن تنبع من أعماق كل واحد منا، بالصفاء المطلوب، بيننا وبين أنفسنا.

(3)هؤلاء الأصوليون يحملون السيف في وجه حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير. السيف والحرية. حدّان متعارضان، متصارعان. وقد عشنا منذ قرون حالات المواجهة بينهما، كما نحن نعيشها في عصرنا الحديث. أدباء ومفكرون وكتاب وصحفيون، جميعهم يعانون هذه المأساة. وهي اليوم تزداد حدة في جميع البلاد العربية، ولو بدرجات متفاوتة. مع ذلك لا فائدة في الخلط بين وضعية الأصوليين، من الجهاديين إلى القاعديين إلى الدواعش، وبين الأصوليين الإسلاميين في الغرب.

التمييز بين الوضعيتين يفيد أن تأمل ما يحدث منذ ثلاثين سنة باسم الإسلام، لا يمكن أن يستند إلى المقاربة الواحدة. فالإسلام في الغرب، له تاريخ مختلف عن تاريخ الإسلام في العالم العربي. بل إن وجود المسلمين قديماً في الغرب يختلف كلية عن وجودهم فيه اليوم. مسلمو اليوم في الغرب، فئات تعمل فيه وتتعلم وتعيش. وهي جزءٌ من نسيجه الاجتماعي. منهم من وصل إلى مراتب عليا في الحياة العملية. هؤلاء المسلمون فهموا أن الأرض التي استقبلتهم ليست هي أرض الكفار، كما في الماضي. هي أرض يحصلون فيها على أرفع المعارف والخبرات، ولهم فيها من الحقوق ما لن يدركوه في أوطانهم الأولى. لذلك يبحثون عن صيغ الاندماج في المجتمع الغربي، دون أن ينسلخوا عن معتقدهم أو عن تقاليدهم الاجتماعية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف