• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

قبل فعل القراءة لم يكن النص سوى كيان صامت

الحلاوة والسكر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 يناير 2015

في نهاية السبعينيات من القرن الماضي وصف تزفتان تودوروف، وهو أحد منظري الموجة البنيوية الأولى في فرنسا، النص بأنه «نزهة، كلماته من المؤلف أما معانيه فمن القارئ». وهو تصريح غريب حقا. فلم يكن هذا الباحث ميالا إلى التفكيكية، ولم يُعرف عنه تعاطفه مع مقترحات جماليات التلقي، ولم يلتفت إلى أطروحات الهرموسيات المختلفة التي ظلت تبحث في النصوص عن معنى أصلي هو سدرة المنتهى والغاية من كل إبداع؛ ومع ذلك، فإن توصيفه هذا يعبر عن حرج كبير كان قد بدأ، في تلك المرحلة، يتسلل إلى نفوس الكثيرين من الذين اعتقدوا جازمين «ألا خلاص للمحلل خارج النص»، فوحده تفكيك بنية مستقلة ومكتفية بذاتها يمكن أن يقود إلى «وضع اليد» على ما تم تسريبه من معان إلى مركز قصي يحتاج إلى تحديد.

لا بد من السياق

إن منطوق الجملة السابقة ومضمرها يقولان عكس ذلك، فالنص فيها عارض، ووحدها السياقات التي تخلقها الكلمات في وجدان القارئ قادرة على منحه معنى وحجما وامتدادا في الموسوعة التي بها يحيا ومن خلالها ينتج دلالاته. ذلك أن الكائنات والأشياء والكلمات الدالة عليها ليست حرة في مصائرها، إنها الواصل بين «واقعة» مخصوصة وبين مُجمل ما تراكم من معارف وممارسات في مرحلة تاريخية بعينها.

قد لا يكون هذا الرابط مباشرا، وقد يكون رمزيا أو من طبيعة مجازية، كما هو عليه الحال في كل الممارسات الفنية، وقد يكون دالا على نقيض السائد من القيم الدلالية وواجهاتها السلوكية، ولكنه يشير، في جميع هذه الحالات، إلى أن للخطاب ذاكرة لا يستطيع اللاحق داخلها إلغاء سابقها، إنه سيرورة تُراكم وتحذف وتعدل، وليس آلة تنفي وتمحو. إنه، بعبارة أخرى، يحيا بقرائه لا بمخزونه الدلالي الخاص.

ولم يكن هذا التعدد في الاستقبال والتلقي من الطبيعة ذاتها عند كل الناس. فهناك من رأى فيه عودة بالنص إلى حالات تشظيه الأولى، فالقارئ لا يبحث عن معنى يحيل على التماسك والانسجام، بل يلهث وراء لذة مصدرها انفلات المعاني من أي ضابط أو رادع سياقي، «فالمتاهة» ليست ضياعا، كما يبدو عليه الأمر في الظاهر، بل هي مغامرة لا نعرف أي شيء عن نهايتها، وذاك مصدر المتعة والغاية من كل عمل فني. وهناك من رأى فيها إحقاقا لحق ضيعه الداعون إلى مركزية النص، فلم يكن للقارئ في البنيويات الأولى أي دور في تحيين جزء من معاني النص، فالمعنى سابق على القارئ في شكل كم معلوم يلتقطه الحاذق من القراء.

لذلك كان القول بفكرة «التعاون»، عند البعض الآخر، اعترافا بوجود قصد آخر لا يمكن لنوايا النص أن تستقيم بدونه. بعبارة أخرى، هناك استراتيجية تأويلية تستوعب القارئ ضمن فرضياتها، فعمليات التوليد تُسقط، بضرورة «النقص التمثيلي»، آليات تأويلية هي جزء من حالات التلقي؛ إن «النص يقتات مما يأتي به القارئ»، «ذلك أن العلامة توكل للمؤول مهمة الإتيان ببعض من معانيها» (إيكو). لقد تم التشكيك في جميع هذه الحالات، في قصد المؤلف، فوحده التفاعل بين النص والقارئ يمكن أن يقود إلى التعرف على المعاني وتنويع تجلياتها في النفس. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف