• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

من عجب أن الغوغاء يتظاهرون من أجل فرص العمل والتوظيف، وفي نفس الوقت يدمرون ويخربون وينهبون مؤسسات الدولة التي من المفترض أن يعملوا فيها

مظاهرات العرب مقلبية وليست مطلبية!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 03 فبراير 2016

محمد أبو كريشة*

مرّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحشود من الناس يتزاحمون ويتدافعون حول رجل أخذ في ريبة.. ربما هو سارق تقطع يده، أو زان يجلد أو يرجم.. المهم أن الحشود كانت تتزاحم حول رجل يطبق عليه حد من حدود الله.. فنظر الفاروق بغضب إلى هذه الحشود، وقال: لا مرحباً بتلك الوجوه التي لا نراها إلا في شر.. هذه واحدة من قصص اجتماع العرب دائماً وتزاحمهم على الشرور.. أو هو تعاونهم على الإثم والعدوان.. لا على البر والتقوى.

وأما القصة الأخرى، فبطلها حبر الأمة الإمام عبد الله بن العباس رضي الله عنه عندما رأى مشهداً مماثلاً لحشود كثيرة من الناس، وقد تجمعوا في الطريق، فقال لأصحابه: سحقاً لهؤلاء الغوغاء.. اجتماعهم نقمة وتفرقهم نعمة ورحمة.. زحامهم شر وانصرافهم خير.. فقال له أصحابه: علمنا النقمة والشر في اجتماعهم وتزاحمهم، فما النعمة والخير في تفرقهم وانصرافهم؟ فقال: إذا تفرقوا وانصرفوا يذهب الكواء والحداد والنجار والخباز كل إلى حانوته فيكون العمل والبيع والشراء والرواج والخير والنعمة للجميع. المشهد الثالث يقفز بي وبكم أكثر من ألف سنة إلى الأمام، لنرى الآن نفس النتيجة التي خرج بها الفاروق وعبد الله بن العباس رضي الله عنهما. نرى زحام الشر والتعاون على الإثم والعدوان ومظاهرات الخراب وزحام الغوغاء (والغوغاء بالمناسبة تعني أسراب الجراد). وأسراب الجراد أفضل وصف لحشود واجتماع العرب على أي صعيد، حيث التخريب والتدمير والتهام الأخضر واليابس وإسقاط الدول والأوطان. حشود تفعل نفس ما يفعله الخريف والجراد في اجتياح الشجر والحجر ومع ذلك يسمون الخريف ربيعاً عربياً.

نفس النتيجة، الغوغاء والسوقة يجتمعون على الخراب بشعار الإعمار ويلتقون على الفوضى باسم الحرية ويخترعون لأنفسهم وظيفة لا وجود لها في العالم كله إلا في الأمة العربية، وهي وظيفة الناشط السياسي أو الناشط الحقوقي، وهي وظيفة العاطلين، ومن يسمونهم في مصر (الصيَّع)، حيث أصبح هؤلاء أكثر من الهم على القلب بعد عواصف الخريف العربي وتراهم كالجراد المنتشر في دول الخريف وخصوصاً مصر وتونس وسوريا واليمن، ولا أحد يعرف عمل أي منهم.. هل هو محامٍ أو مهندس أو طبيب أو صحفي، كل ما نعرفه أنه ناشط سياسي جوال، كبائع جائل يعرض بضاعته على من يدفع أكثر أو هو الذي يسمونه في مصر (تاجر الشنطة)، الذي يقفز من صحيفة إلى صحيفة، ومن فضائية إلى فضائية يعرض البضاعة ونقيضها تبعاً لمقاس الزبون وتبعاً للثمن المدفوع، فهو يهاجم في صحيفة أو فضائية نفس الذي يؤيده ويتحمس له في صحيفة أو فضائية أخرى.

وفي ظل سيادة الغوغاء وتصدرها المشهد العربي يصبح من العبث تماماً الاعتماد على الإجماع أو الأغلبية أو القاعدة العريضة، واعتبار هذا الإجماع مصدراً للتشريع السياسي أو حتى للفكر الديني.. بمعنى أن الإجماع يسقط تماماً الآن كأحد مصادر الفكر والتشريع لتصبح هذه المصادر في الدين ثلاثة فقط هي القرآن والسُّنة وربما القياس، أما التشريع السياسي أو الفكر السياسي فليس له سوى مصدر واحد في ظل تسيد الغوغاء المشهد، وهذا المصدر هو النخبة الحاكمة بكل أضلاعها.

ومنذ نكسات الخريف العربي انتقل مركز الثقل السياسي والديني والفكري إلى الغوغاء وإلى الشارع، الذي أصبح هو الفاعل، بينما أصبحت الدولة أو السلطة الحاكمة أو النخبة الحاكمة مفعولاً به، وصار الشارع متبوعاً والدولة تابعاً.. فأصبح الشارع أو جوقة الغوغاء تفتي في الدين وتشرع القوانين وتفرض أجندتها الغوغائية على السياسة وتحكم حركة الدولة الوطنية العربية، التي لم يعد لها وجود فاعل وحقيقي على الأرض لكن وجودها صوري وافتراضي، وورقي ويكاد يكون وهمياً وتراخت قبضتها تماماً على المشهد كله.. وما زلت وسأظل معجباً بالقول العربي المأثور: سلطان تخافه الرعية خير للرعية من سلطان يخافها. والقول الآخر: خير للرعية أن يكون السلطان نسراً حوله الجيف من أن يكون جيفة حولها النسور.

وحتى الدول التي نجت من نكسات «الخريف العربي» مثل مصر لم تتعافَ بشكل كامل من وباء سيادة الغوغاء على حساب الدولة، وما زالت هذه الدول تنافق الغوغاء وتسترضي الشارع الذي لا يرضى أبداً. وعرف الناس في دول الخريف العربي كيف يحركون الدولة، كما يريدون من خلال مظاهرات ووقفات احتجاجية يقودها وينظمها الغوغاء والسوقة، وسرعان ما تكسر هذه المظاهرات المنفلتة التي يغذيها إعلام سائب ومواقع تواصل مدفوعة أو مغيبة أو مأجورة عنق الدولة فتقيل وزراء ومسؤولين وتتراجع عن مواقف وقرارات إرضاء للدهماء، ولهؤلاء الذين لا نراهم إلا في شر ويكون اجتماعهم نقمة وشراً وتفرقهم نعمة وخيراً.. حتى قيل في هذه الدول وفي مؤسساتها: (تعالوا ننظم مظاهرة أو وقفة لإقصاء هذا المسؤول أو ذاك).. أي أنها صارت لعبة حقيرة أفقدت الدولة هيبتها وأدت إلى عزوف المحترمين وذوي الكفاءات والخبرات عن تولي المناصب في تلك الدول.

والمظاهرات العربية ليست أبداً مظاهرات مطلبية، بل هي دائماً مظاهرات مقلبية أو انقلابية.. ومن عجب أن الغوغاء يتظاهرون من أجل فرص العمل والتوظيف، وفي نفس الوقت يدمرون ويخربون وينهبون مؤسسات الدولة التي من المفترض أن يعملوا فيها.. فهؤلاء يشبهون تماماً ذلك الذي يبصق في الطبق الذي يأكل منه.. وهكذا ارتبطت المظاهرات والوقفات في الدول العربية بالتخريب والتدمير والسلب والنهب والحرق والقتل ودائماً تبدأ بدعوات وهتافات إصلاح الخلل، ثم تتطور إلى إسقاط النظام حتى تحولت هذه المظاهرات إلى شكل من أشكال الإرهاب فسرعان ما يركبها الإرهابيون والمتآمرون وذوو الأجندات المشبوهة، مما يؤكد أن الشارع العربي يسهل جمعه على الإثم والعدوان ويصعب جمعه على البر والتقوى.. ويسهل حشده على الشر ويستحيل حشده على الخير.

وفي المقابل وعلى الضفة الأخرى من البحر ترى المظاهرات في أوروبا أحد المعالم السياحية التي تستحق الزيارة والمتابعة والاستمتاع. مكان محدد ووقت معلوم ومطالب واضحة واحترام تام للقواعد ولا ترى أي أزمات مرورية أو خدشاً في جدار أو مصباح كهرباء، وهي في البدء والختام مظاهرات مطلبية واضحة، بينما تبقى مظاهرات العرب مقلبية انقلابية، ويبقى اجتماعهم في الغرب رحمة وخيراً وتفرقهم رحمة وخيراً، بينما اجتماعنا نحن العرب نقمة وشر وزحمة وتفرقنا وانصرافنا خير ونعمة.

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا