• الاثنين 03 ذي القعدة 1439هـ - 16 يوليو 2018م

روسيا المونديال

«مانشافت» بسبعة أرواح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 26 يونيو 2018

بدر الدين الإدريسي

«لا تبع جلد الدب قبل صيده»، صادفتني هذه المقولة، وأنا أطالع الكثير مما يكتب ويقال عن مباريات بعينها، باع الناس خلالها جلد فريق قبل قتله تكتيكياً، فاستشاط غضباً وخرج مثل العفريت من رماده ليكسر عنق من أعدموه وباعوه بأبخس الأثمان، إلا أنني ما وجدت فريقاً تصدق عليه هذه المقولة أكثر من المنتخب الألماني، فهذا الفريق يملك قدرة رهيبة على الانبعاث من دخان الحرائق في أقل من ثانية. كثيرة هي الأشياء التي قيلت عن «المانشافت» بعد مباراته التي خسرها أمام المكسيك في افتتاح موندياله، فمن قال إن المنتخب الألماني تخلى كثيراً عن عوائده، ومن قال إن مدربه خواكيم لوف بالغ في الارتباط عاطفياً بلاعبين ضعفت لديهم التعبئة والحوافز، ومن قال إن مونديال روسيا سيشهد ما لم نره منذ عقود، إقصاء المنتخب الألماني من الدور الأول.

وزادت المباراة الثانية لـ «المانشافت» أمام السويد، على الأقل في نصفها الأول من هذا الظن «الآثم»، فقد وجد المنتخب الألماني نفسه، متخلفاً بهدف سويدي قاتل، فأظهر هؤلاء ما بدا لهم حجة دامغة، أن المنتخب الألماني سيكتب في مونديال روسيا أسوأ صفحة له في تاريخه الملحمي مع كأس العالم، لولا أنه استعاد السيطرة على الجزئيات الصغيرة وحول الثلث الأخير من المباراة أمام السويد إلى جحيم لا يطاق، لم ينته إلا والنقاط الثلاث كاملة في جيبه، دلالة قاطعة على أن لا حق لأحد أن يبيع جلد الألمان قبل اصطيادهم!

ولا أعتقد أن تاريخ كرة القدم العالمية، يحفظ في ذاكرة الإعجازات والملاحم الخالدة، صوراً للإقدام وللإصرار على عدم رفع الراية البيضاء وعلى عدم الاستسلام، أكثر من تلك التي يجسدها المنتخب الألماني، وهي صور مرادفة لثقافة هذا الشعب الذي لا يعرف مستحيلاً، والذي يؤمن لحد الجنون بمقدراته الذاتية وعلى النجاح مهما قست عليه الظروف.

خلال نصف نهائي مونديال 1982 بإسبانيا، تقدم المنتخب الفرنسي على «المانشافت» في الشوطين المضافين بثلاثة أهداف لهدف، وظن الفرنسيون أنهم بصدد سلخ جلد الألمان، وأنهم سيهددون تاريخهم، قبل أن يخرج الألمان من بركانهم ليطلقوا الحمم الحارقة، وليسجلوا هدف تقليص الفارق، ثم هدف التعادل، وعند تنفيذ الضربات الترجيحية، تفوقوا ببرودة دمهم، وبدرجة التركيز التي يصلون إليها كلما تعلق الأمر بمنافسة عالية المقام.

وفي نهائي مونديال 1986 بالمكسيك ظن الإمبراطور مارادونا أنه أعاد المنتخب الألماني لحكم سيادته، وقد تقدم عليه بهدفين، إلا أن ألمانيا ستعود في مشهد خارق بتسجيلها لهدفين، قبل أن يحتاج مارادونا إلى لمسة سحرية ليقود المهاجم بوروتشاجا لتوقيع الهدف الثالث، هدف التتويج.

لو كان علي أن أصدق شيئاً في كرة القدم، فهو بالتأكيد أن المستحيل ليس ألمانياً وأن «المانشافت» بسبعة أرواح.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا