• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

برفقة جندي أميركي سابق على درب «هوشي منه»

الفخّ الفيتنامي.. أو الحرب التي كانت

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 15 يناير 2015

ثلاثة أميركيين يرافقوننا في الرحلة إلى جبال كي زان وسط فيتنام وعلى تخوم الحدود اللاوسية. أحدهم كان جندياً في الجيش الأميركي بفيتنام إلى حدود سنة 1972. يأتي منذ سنة 1996 بانتظام لزيارة فيتنام، كما قال لي أثناء تناولنا لفطور الصباح في محطة للاستراحة.

الأمطار المتواصلة تصفع بلور الواجهة الأمامية للحافلة ونوافذها بغزارة تجعلنا لا نستطيع تبين سوى قليل من الأشياء من حولنا. الدليل السياحي الشاب الذي يبلغ 28 سنة من العمر يتحدث بتفاصيل دقيقة عن الظروف التاريخية التي أدت إلى حرب فيتنام، ويقدم لنا معلومات مفصلة ومفيدة عن تلك الفترة. المحارب الأميركي القديم ينصت باهتمام بينما عيناه مركزتان بنهم على الخارج. تتخلل تقديم الدليل فواصل من الصمت يغيب أثناءها ذلك الرجل الأميركي في التركيز على المشهد الخارجي. هادئ، ساكن، لا أثر لأي نوع من الاضطراب على سحنته أو في عينيه. مركّز فقط بهدوء على الخارج كما لو كان يبحث عن شيء، أو يستعيد شريطا من الصور القديمة المندسة في ذاكرته. يسأله الشاب الفيتنامي بين الحين والآخر عن أشياء من تلك السنوات البعيدة فيجيب بهدوء وبتلقائية دوما، لا أثر لكراهية ما ولا لافتعال مشاعر ندم أو أي نوع من التفجع الدرامي. يسرد وقائع متفرقة ويتحدث عن مسالك عسكرية مرت بها هذه الكتيبة أو تلك، أوامر من هذه الجهة أو تلك، تغيير خطة هجومية، تقدم في هذا الاتجاه، أو انسحاب من تلك المنطقة. هذه التلقائية تجعله طبيعيا ومحببا للنفس.

ذاكرة تحت المطر

تحت وابل من الأمطار تجاوزنا نهر «سونج بان هايْ» الفاصل بين الشطرين الشمالي والجنوبي لفيتنام منذ سنة 1954 حتى سنة 1975، ورحنا نجتاز منطقة الـ (DMZ ) الشهيرة (منطقة الفصل العسكري) بين شطري البلاد، هناك حيث يتقلص عرض البلاد الفيتنامية إلى ما يشبه شريطا نحيلا لا يتجاوز عرضه (50 كلم) بين الساحل والحدود اللاووسية. اقتربنا من الطرف الجنوبي لدرب هوشي منه، وغير بعيد من هناك الموقع الذي كانت توجد به قرية فينه موك التي محاها قصف طائرات الـ (B52 ) سنة 1966.

نحن الآن في المنطقة التي تعرضت أكثر من أي منطقة فيتنامية أخرى إلى قصف الطيران الأميركي. خمس كتائب عسكرية كانت ترابط جنوب نهر سونج بن هاي من أجل التصدي لزحف جيش هوشي منه القادم من الشمال. وفي الفترة ما بين 1965 و1968 حفر جيش الشمال الفيتنامي (114) نفقاً في هذه المنطقة ما تزال (30) منها موجودة إلى الآن، واحد منها هو هذا الذي نزوره اليوم، وهو الوحيد المفتوح لزيارة السياح. متاهة بالغة التعقيد يبلغ طولها (12 كلم) قد آوت سكان القرية لمدة خمس سنوات. لم تكن للنفق وظيفة إيواء المدنيين فقط، بل كان يلعب دور المعبر السري لعساكر هو شي منه القادمة من المناطق الشمالية، وممرا لتزويد جيش التحرير بالأسلحة التي كانت تستجلب من طريق البحر. النفق محفور مباشرة في الصخر، ضيق لا يتسع لمرور أكثر من شخص واحد، وهو مظلم ورطب، وفي مواقع عديدة كان علينا أن نخبط في برك من الماء والأوحال. على جنبات الممر الضيق حجرات صغيرة (مساحة كل منها مترين مربعين على أقصى تقدير)، محفورة في الصخر، كانت لها وظيفة الغرف التي تأوي العائلات. داخل بعضها تماثيل تجسد مشاهد من الحياة اليومية لسكانها الذين قضوا ما لا يقل عن خمس سنوات مختفين داخلها؛ نشاطات مختصرة في الحد الأدنى الضروري للبقاء: طهي، أطفال متحلقون حول كتاب مدرسي، معالجة عجوز مريضة، أو واحدة في حالة مخاض.

داخل الأدغال ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف