• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

خبز وورد

الرواية الجادة أكلتها التكنولوجيا!

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 31 مايو 2014

مريم جمعة فرج

تتذكر كقارئ أن شيئاً مثل نظرية موت المؤلف وهو أمر لم يكن تلقيه سهلا قد أربك تفكيرك، إلى أن أوضح لك الكثيرون ومنهم الدكتور «عبدالله الغذامي» أن ما يقصده الناقد والفيلسوف الفرنسي «رولان بارت» ليس إلغاء المؤلف بالمعنى الحرفي وخروجه من الدنيا دون أن يترحم عليه أحد، ولكن موته كمفهوم نقدي يعني تحرير النص من سلطته لتكون السلطة الأكبر في يد القارئ. والقصة نفسها تتكرر هذين اليومين فتحتاج إلى ناقد يشبه الغذامي، ليفسر لك ما يقصده الناقد والروائي الحداثي البريطاني «ويل سلف» بقوله إن الرواية الجادة ماتت!

يبدو الأمر صعبا، تصعب عليك الرواية الجادة وكل ما يسمى سرد. فهل ماتت الرواية الجادة و«أكلتها التكنولوجيا» مثلا، أو إلى أي حد يكون الإنسان مزاجي في تصوراته مثل سلف؟ النقاد دأبوا على افتراض مفاهيم الموت والحياة في النصوص الأدبية، خاصة الروائية، فتجد أنهم يفعلون ذلك لكي يبعثوا الحياة في أنفسهم فهذه وظيفتهم، وليست وظيفتك أن تحزن على موت المؤلف أوالأدب الجاد إلا بقدر ما يبدو الأمر مهما بالنسبة لك! وكقارئ تحمد الله على أن هؤلاء لم يصلوا بعد إلى نظرية موت القارئ.

لكن شخص مثل «سلف» لا يمهلك كثيرا، فيلمح بأن شيئا كموت القارئ الجاد أو القارئ المتفاعل يلوح في الأفق بالتزامن مع موت الرواية المنتجة للثقافة. والمشكلة لدى سلف تكمن في العلاقة بين الرواية والتكنولوجيا، والصراع بين الاثنين الذي يفترض أنه قتل الرواية وقارئها. وفي إعلان يشبه النعي (يصرخ) بأن «الرواية كانت محوراً رئيسياً للثقافة، إلا أن هذه الصورة قد تغيرت في زمن التكنولوجيا، ولم يعد الكتاب الورقي وحده في حالة تراجع، وإنما حتى مفهوم القراءة الجادة أصبح يواجه نوعاً من التحدي». المهم أن الرواية المنتجة للثقافة ذهبت وأخذت معها قارئها، الذي ظل صامدا حتى النصف الثاني من القرن العشرين، حين كانت الرواية تتربع على عرش الأشكال الأدبية.

ولو تصورنا هذا النوع من القراء الذين نفتقد وجوده اليوم، فنحن بالطبع لا نتصور شخصا يسير بيننا ورأسه مدفونة على مدار الساعة في كتاب مثل روايات «نجيب محفوظ» أو« جيمس جويس» أو «ماركيز» أو نتصور شخصا لا عمل له إلا أن يستخف بالأدب الشعبي مثلا أو يكره التكنولوجيا، ولكنه الشخص الذي لا يدعي أن ثقافته تتعارض مع هذه الأعمال التي تحتاج إلى مجهود لفهما بينما تقدم التكنولوجيا أعمالا أسهل بكثير، تقدم الأدب بطريقة أميركية – تجزم أنه لا علاقة لها « بهمنغواي».

فتموت الرواية الجادة الباعثة على التأمل أمام روايات الأغلفة الجذابة وحتى الرائحة المثيرة التي تجعلها مقياسا للقراءة. ومع ذلك، ستشعر بأن الرواية ماتزال في مرحلة الحداثة التي لم نتجاوزها بعد حسب «سلف» إلى مرحلة ما بعد الحداثة الحقيقية، حيث ماتزال أهم ملامحها ماثلة للعيان، الصراع بين الفعل الثقافي والاكتساح التكنولوجي بكل أشكاله منذ اختراع الطباعة. وستدرك أن الرواية تحتاج إلى إعادة تفعيل على طريقة رولان بارت، تحريرها من سلطة التكنولوجيا مع احترامنا للتكنولوجيا وما تؤديه من خدمات جليلة في حياتنا، لتكون السلطة الأكبر في يد القارئ. «مجنونة» هي الرواية فهي الشكل الوحيد الذي يتمرد على ما يتعارض مع كونه ناقلاً للثقافة.

m_juma@hotmail.com

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا