• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

حملات «كيم» للتطهير تؤتي أُكلها، ولا توجد معارضة لحكمه.. لكنها ستقود لغليان على المدى البعيد

كوريا الشمالية .. بين الطاعة والعصيان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 17 مايو 2015

تتعاظم الشكوك حول ما يتردد عن إعدام وزير الدفاع في كوريا الشمالية بواسطة مدفع مضاد للطائرات أواخر شهر أبريل الماضي. وسواء أكان الجنرال «هيون يونج شول» قد واجه هذه النهاية المرّة أو لم يواجهها، فالحقيقة التي تبقى ماثلة للعيان هي أن بعض كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين في بيونج يانج باتوا يواجهون مصائرهم الغامضة بشكل متزايد. ومنذ تقلّد زمام السلطة قبل نحو ثلاث سنوات، مارس الديكتاتور «كيم جونج أون» الحكم بكثير من العنف وحملات التطهير داخل المنظومة العسكرية والقيادات المدنية في كوريا الشمالية. وتمت تصفية نحو 70 من المسؤولين والجنرالات ذوي الرتب العالية خلال فترة حكمه القصيرة.

وتمثل هذه الإجراءات تغيراً جذرياً في الاستراتيجيات التي كان يتبعها والد «كيم» وجدّه للاحتفاظ بالسلطة، فخلال حكمهما للدولة، كان «كيم إيل سونج» والد «كيم»، و«كيم جونج إيل» جدّه، قد جعلا من قصورهما الرئاسية أماكن آمنة للحلقة المقرّبة منهما من المسؤولين. وبعد فترة قصيرة من بداية حكم «كيم إيل سونج»، عمد إلى تصفية الشخصيات المعارضة له وأحاط نفسه بمقاتلين ثوّار كانوا يعملون تحت قيادته في منشوريا في عقد الثلاثينيات.

وبالمقارنة مع الديكتاتور السوفييتي جوزيف ستالين، الذي دأب على تصفية نصف عدد المسؤولين الأكثر قرباً منه كل عدة سنوات، كان مؤسس كوريا الشمالية «كيم جونج إيل» متسامحاً إلى حدّ ما عن أخطاء وتجاوزات المقربين منه. وكان المسؤولون الذين لا يلقون استحسانه يخسرون وظائفهم ويختفون عن مسرح الأحداث. وكانوا في الكثير من الحالات يعاودون الظهور بعد بضع سنوات ليتقلدوا المراتب الوظيفية الرفيعة في الدولة والحزب. ونجح هذا النظام في تشجيع المسؤولين على الطاعة والولاء. وفيما قد يجد الجنرال العسكري أو الوزير نفسه وقد أصبح بين عشية وضحاها مجرّد مستخدم في مكتب ريفي ناءٍ أو عاملاً في منجم، فإنه يعلم أيضاً أنه إذا ما أظهر نيّة الإخلاص المطلق للنظام فسوف يعود إلى عهود الحياة المترفة والرفاهية من جديد.

وفي نفس الوقت، تبنّى كل من «كيم إيل سونج» و«كيم جونج إيل» منهجية وحشية في التعامل مع المواطنين العاديين. وكانا يزجّان بمئات الألوف منهم في السجون أو يعمدان إلى تصفيتهم حتى عند ارتكابهم لأكثر المخالفات تفاهة. وبرزت مؤشرات تدل على نجاح هذه الاستراتيجية. فلقد تمكّنت «أسرة كيم» من البقاء في سدّة الحكم حتى بعد انهيار كل الأنظمة الشيوعية الأخرى في العالم، رغم أن معظم تلك الأنظمة كانت تتعامل بنعومة أكثر مع مواطنيها.

وعندما قذفت الظروف بالدكتاتور الجديد «كيم جونج أون» إلى سدّة الحكم وهو في عشرينيات عمره، عقب الوفاة المفاجئة لوالده، بدا وكأنه يتبع قواعد مختلفة لتجنّب الأخطار التي تحيط به. ويكمن الاحتمال الأقوى لتبني تلك القواعد في اعتقاده بأن الحرس القديم لم يأخذ حكمه على محمل الجدّ في بداية الأمر بسبب افتقاره للخبرة السياسية الضرورية لتسيير أمور البلاد، أو حتى للمعارف الأساسية المتعلقة بالحكم. وبعد ظهور مؤشرات التقاعس عند بعض جنرالات الجيش، بدا وكأن «كيم» توصل إلى النتيجة التي تفيد بأن تصحيح الأمور وإعادة الجميع إلى بيت الطاعة تتطلب «حملة دموية مرعبة». وهذه المرة، لم يعمد إلى إحالة المسؤولين الذين لا يرضى عنهم إلى المعاش أو الوظائف المتدنية، بل كان يأمر بقتلهم في معظم الأحوال.

وحتى الآن، يبدو وكأن خطة «كيم» تأتي أُكلها. ولا توجد إلا القليل جداً من المؤشرات على وجود معارضة لحكمه في أوساط النخبة الحاكمة في بيونج يانج. لكن من المرجح أن تقود هذه السياسة إلى حالة من الغليان وعدم الاستقرار على المدى البعيد. وقديماً، كان المسؤولون الذين يشعرون بأنهم باتوا في موقع الشكّ يعلمون بأن خيارهم الوحيد هو العودة إلى الهدوء والإفراط في التظاهر بالطاعة والولاء أملاً في استعادة مكانتهم. أما الآن، وبعد أن أصبحت التصفية الجسدية حتى الموت هي العقاب، أصبح من الوارد أن يفكر المسؤولون المعرّضون للتهديد باللجوء إلى تصرفات لم تكن واردة من قبل، مثل الهروب إلى الخارج بحقائب ملأى بالوثاق والمستندات الصالحة للبيع، أو حتى محاولة الإعداد لمؤامرة أو انقلاب عسكري في بيونج يانج.

أندريه لانكوف*

*أستاذ التاريخ في جامعة كوركمين- سيئول

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا