• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

فن الاختلاف

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 02 أكتوبر 2016

تتطلب الحياة العصرية مزيداً من أدوات الخِطاب وفنون الحوار والنقد البناء لتداخل الحضارات وتنوع الأفكار والاتجاهات والاختلاف في الرأي طبيعي ولابد منه لاستمرار الحياة والأخذ والعطاء بين البشر، ويبقى مربط الفرس هو في طريقة إدارة الاختلاف بطريقة بناءة تؤدي إلى تسوية يرضى بها الجميع، وتؤدي إلى نتائج إيجابية خالية من العصبيات والعداوات.

ليس مهماً أن تتفق معي، ولكن المهم هو كيف تختلف معي، وتنتهج المنهج الصحيح في إدارة الاختلاف بحيث لا تنال مني ولا تنتقص من قدري ولا تلمزني بالألقاب ولا تعاديني، فإن فعلت ذلك فأنت تنأى بنفسك عن منظومة الحوار البناء إلى الحوار الهدام الذي يؤَجِجُ نار الاختلاف ويزيد الشُقة بيننا.

ما يؤسف له وقوع البعض في قضية سوء إدارة الخلاف سواءً أكانت القضية دينية أو سياسية أوثقافية، وليس الهدف إلا الانتصار على الخصم ومعاداته  بالانطلاق من أرضية طائفية تحزبية عنصرية منهجها، وإطلاق التهم ونشر الإشاعات وهذا شيء ملاحظ وجلي في الحروب الإعلامية التي تقع بين بعض الدول إبان الخلافات السياسية، فكل طرف يحاول إظهار الآخر بموقف الضعيف الذي لا يملك حجةً دامغةً ولا دليلاً شافياً لادعاءاته، مما يؤدي إلى فشل الحوار وعدم التوصل إلى نتيجة وحل للقضايا العالقة، والتي تدوم لسنوات وربما لقرون.

الاختلاف الإيجابي لابد له من حوار بناء يكون هدفه التوصل لحل وسط يُرضي جميع الأطراف وألا يكون للعصبية الفكرية والمذهبية موضِعُ قدم فيها فهي سبب للشقاق والتفرق بل يجب أن يكون الاختلاف على أرضية هدفها الوصول للحقيقة دون النيل من الطرف الآخر أو التقليل من أهميته بل يجب أن تكون بغية الجميع الوصول للحقيقة فالحق أحق أن يتبع وإن أتى من الخصم طالما يمتلك الدليل القاطع والحُجَةُ الدامغة.

يختلف الناس في العادات ويختلفون في الثقافات فالتعامل مع أكثر من 6 مليارات شخص ليس بالأمر الهين فلكل واحدٍ أفكاره وثقافاته بحسب ما وصله وتعلمه منذ الصغر والمطلوب منا توضيح الحق والصواب بالحكمة والموعظة الحسنة وعدم إلزام الطرف الآخر بمعتقداتنا وأفكارنا وثقافاتنا فليس هناك شيء بالإكراه.

الطريقة الصحيحة لإدارة فن الاختلاف هي في الاستماع الجيد للمُخالِف لاستيعاب فكرته ومقارنتها مع الحقائق الواردة ثم الرد عليه بالحكمة والموعظة الحسنة بحسب الحقائق التي نملكه حتى إن صرخ في وجهنا وسبنا ونال منا يجب علينا أن نتمسك نحن بأدب الحوار إلى آخر دقيقة فالصراخ  سببه الإفلاس الثقافي والأدبي وصاحبه لا يملك ذرة من الحقيقة فهذه النوعية يجب أن نتعامل معها بحذر ودِقة متناهية حتى نوصل الفكرة إليه في قالب من ذهب لتكون سبباً لأن يقبلها ويقتنع بها فما خرج من القلب وقع في القلب.

الاختلاف ليس عيباً وليس شيئاً مذموماً وجديداً، وإنما هو موجود منذ وجدت البشرية وإنما العيب هو في سوء إدارته لمصالح شخصية تتدخل فيها العصبية المذهبية والفكرية وغيرها التي تحول الخلاف إلى قضية فاصلة وخط أحمر للتعامل مع المخالف، بل ومعاملته كعدو وخصم يجب مواجهته والوقوف ضِدَهُ في كل شيءٍ مما يتسبب في نتائج سلبية يتضرَرُ منها الجميع ولو أننا قبلناهُ كما هو ونصحناهُ ووجهناهُ وبينا له الحقائق بطريقة صحيحة لكانت النتائج إيجابية ولتحول الخلاف إلى وئام.

فيصل بن زاهر الكندي

سلطنة عُمان

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا