• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

دروس في الوفاء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 30 مايو 2014

خالي رجل طيب إلى أقصى حد ممكن أن يوصف به إنسان في هذا الزمان، يحب الناس، متصالح مع نفسه، يتفانى في مساعدة الآخرين، شخصية نادرة الوجود ومع بساطته، يمتلك قدرات فائقة على كسب حب من حوله، أنا شخصيا انبهرت به منذ نعومة أظفاري، وقد افتقدته منذ أن غادر للعمل في مدينة تبعد عنا مئات الكيلو مترات، ولظروف عمله واستقراره هناك مع أسرته، أصبحنا لا نلتقي إلا قليلا، أنا لا أستطيع الذهاب إليه، وهو يزورنا على فترات متباعدة، وعندما يأتي في كل مرة يكون محملا بالهدايا لنا جميعا وخاصة لأمي، حيث كان أقرب إخوتها لنفسها وأكثرهم ارتباطا بها، وأيضا الأكثر حرصا على مودتها والاطمئنان عليها، ولذلك كانت تستقبله بدموع الفرح، وتودعه بدموع الألم.

ميزة كبرى

كان خالي يضرب دائما على الأوتار الحساسة في النفوس، مثلا وأنا صبي صغير يشتري لي الحلوى التي عرف باستشعاره أنني أحبها، ويأتيني بعلب الألوان والقصص والأقلام مختلفة الأنواع، كنت أتباهى بذلك بين أقراني، وأعتبره ميزة كبرى لي أفتخر به وبها، وهذا كله جعلني أرتبط به ويكون بيننا شيء خفي قد لا أستطيع وصفه، لكن مازالت المشكلة قائمة في عدم التلاقي باستمرار، فقد تكون هناك قطيعة غير متعمدة يمكن أن تستمر لعامين أو أكثر، وربما يأتي خالي أحيانا في زيارات خاطفة وسريعة، إما لتقديم التهاني في حالات الأفراح والمناسبات السعيدة، أو لتقديم التعازي في حالات الوفاة، وقد كان حريصا على ذلك أشد الحرص، مهما كانت انشغالاته وظروفه فإنه يتغلب عليها ولا يقصر في هذه الواجبات العائلية، بل إنه كثيرا ما يقطع تلك المسافات الطويلة ليزور مريضا أو يواسي شخصا تعرض لأزمة أو مكروه.

وكما قال ربنا، الطيبون للطيبات والطيبات للطيبين، هكذا كانت زوجة خالي فعلا، امرأة طيبة، كان كل منهما هدية من الله للآخر، توافق واتفاق، أسرة متحابة، رزقها الله بخمسة من البنين والبنات، حضروا مرة في زيارة جماعية لنا، احتفينا بهم، كان أجمل أسبوع في حياتي، الإبن الأكبر لخالي يكبرني بسبع سنوات، علمني كيف أضبط رابطة العنق، وعلمني أسس لعبة الشطرنج، وأهداني رقعة حديثة من الخشب، لم يكن لأحد من أصدقائي مثلها، يأتون كلهم ليشاركونني اللعب والتنافس بها، وتواصل زوجة خالي هي الأخرى التعامل معنا بنفس الأسلوب فتأتيني بهدايا كنت أعشقها أهمها كرة القدم، وكرات التنس التي كانت في ذاك الزمن شيئا غريبا وعجيبا علينا، أما بنات خالي فقد كن صغيرات، وهن ثلاث تقضين النهار في اللعب مع أخواتي، تردن التعرف على حياة الريف التي يفتقدنها في المدينة، فهنا عندنا في القرية الأجواء مفتوحة، وكلنا نعرف بعضنا، تربطنا صلات القرابة والمصاهرة، ونقيم حول أرضنا الزراعية، وأحلى الأوقات تحت الأشجار الظليلة في الظهيرة، وقد كانت هذه هي المرة الوحيدة والأخيرة التي زارتنا فيها أسرة خالي بشكل جماعي، ومع المزيد من انشغالات الجميع، سواء في الدراسة أو العمل تباعدت أكثر فترات الزيارة، ولم يعد خالي نفسه يأتي كما كان يفعل في الماضي، ليس من باب التقصير ولا التراجع عما اعتاد عليه، وإنما ظروف الحياة وأحكام السن.

استقبال حافل

انتهيت من الدراسة الجامعية وحصلت على مؤهل عال، يومها كان احتفالا كبيرا ومناسبة عزيزة على نفوس الجميع من أفراد عائلتنا، كلهم كانوا ينتظرون هذا اليوم، وإن كان خالي غائبا عنا بجسده فقد كان حاضرا باتصالاته فقد حرص على الاتصال بأبي وأمي وبي ليقدم لنا التهاني، كانت كلماته رقيقة ساحرة كعادته، جعل دموع أمي تسيل لأنها افتقدته ولم تره منذ ثلاث سنوات، لذلك فقد أنهى اتصاله بدعوتنا لزيارته وقضاء عدة أيام عنده، وشدد على ضرورة التعجيل بهذه الزيارة لأنه اشتاق إلينا كثيرا، وبالفعل تشجعت أمي وقررت أن تكسر الحواجز وتخرج من القرية التي لم تبرحها في حياتها إلا إلى المدينة القريبة للتردد على طبيب أو لأمر غاية في الأهمية كما كانت المرة الأولى التي ترى فيها القطار، كانت تراه في التلفاز لكن الواقع مختلف وظهر عليها الخوف من هذا المخلوق العجيب، ترددت وهي تضع قدمها بداخله، كنت أنا وهي وحدنا نحمل بعض خيرات الريف إلى أسرة خالي. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا