• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

الهوية الثقافية العربية تعبر عن ذاتها بأشكال وصور راسخة في الوعي وفي مخرجات الثقافة المادية والرمزية الكثيرة

عثرات الحداثة العربية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 15 مايو 2015

يعيد كتاب المؤرخ اللبناني جورج قرم: «الفكر والسياسة في العالم العربي» الصادر في منتصف الشهر الماضي، مساءلة كثير من الصور النمطية والأفكار الخاطئة الشائعة عادة في المخيال الغربي عن الفكر العربي، منطلِقاً من مجموعة من التحديدات المفهومية ذات الصلة بمفهوم الفكر العربي نفسه، محاولاً التمييز بين ما فيه من أبعاد دينية وقومية، تراثية وحداثية، متتبعاً مسارات تشكل وتكوين وتطلعات العقل العربي منذ فجر تاريخ الثقافة العربية إلى اليوم. وبين بدايات تشكل الوعي بالهوية العربية التي نلمسها في الشعر العربي القديم في وقت مبكر للغاية وحال العالم العربي اليوم مع مطلع القرن الحادي والعشرين تعبر الهوية والشخصية الثقافية العربية عن ذاتها بأشكال وصور كثيرة راسخة في الوعي وفي مخرجات الثقافة المادية والرمزية الكثيرة.

وفي مقدمة كتابه الواقع في 345 صفحة والموزع على 14 فصلاً يتساءل جورج قرم ابتداءً (الصفحة 13): هل يوجد، في الأساس، فكر عربي؟ وهو سؤال ينطلق منه لبسط مختلف أوجه التنوع النظري والعقدي والفكري في الثقافة العربية طيلة تاريخها المديد، مشيراً في هذا المقام إلى خطأ الصورة النمطية الاختزالية الشائعة لدى بعض مؤرخي الأفكار الغربيين، وعند الإنسان الغربي العادي أيضاً، التي تقوم على النظر إلى الثقافة العربية من منظور واحد فقط يختصرها في بعدها الديني وحده، هذا أيضاً على رغم التعددية الدينية والمذهبية والطائفية ورسوخ التسامح والتعارف والتعايش بين مختلف الملل والنحل في العديد من المجتمعات العربية. ولذا يمضي الكاتب في بيان هذا التنوع بالتفصيل في جزئه الأول الخاص بـ«تنوع وديناميكية الفكر العربي» (ص 28)، موضحاً ما يعتبره فروقاً مفهومية بين «الثقافة العربية» و«الحضارة الإسلامية»، معتبراً أن وضع هذا التمييز المفهومي ضروري لإدخال بعض إنتاج الشعراء العرب في مرحلة ما قبل الإسلام في السياق الثقافي العربي في معناه التاريخي العام.

وفي الفصل المتعلق بـ«الإشكالية المعقدة المتعلقة بالهوية الدينية والهوية القومية» يواصل الكاتب أيضاً الاشتغال على تحديداته المفهومية الرامية لإعادة تصحيح ما يعتبره مفاهيم شائعة وخلطاً نمطياً معيقاً لفهم المشهد الفكري في مختلف أبعاده المتنوعة، كما يخصص فصلاً للحديث عن منهج التفكير السائد والناظم للفكر العربي منذ عصر ازدهار العلوم العربية الإسلامية وحتى بواكير عصر النهضة العربية الحديثة مع مطلع القرن التاسع عشر، والدور الذي لعبته صدمة الالتقاء مع الغرب الحديث، والفكر الاستشراقي، ومناهج العلوم التي استقدمها الغربيون على طرق تفكير وتنظير المفكرين العرب منذ أيام عصر النهضة العربية. ويتوقف المؤلف في هذا المقام مع ذلك السؤال الوجودي الذي واجه رواد عصر النهضة وطرحوه بصيغ مختلف عن أسباب تأخر العرب والمسلمين، وتقدم غيرهم؟

وتستمر فصول الكتاب اللاحقة تباعاً في مقاربة الإشكاليات الفكرية الصعبة والتحديات التحديثية المريرة التي واجهها العرب في القرنين الماضيين، مع إبراز لعوامل التعثر الداخلية ذات الصلة بخلفيات الثقافة وحدود الوعي وخيارات الثقافة من جهة، وأيضاً بالإشارة إلى العوامل الخارجية التي كان لها أثر سلبي على مشروع النهضة والتحديث العربي وأولها التدخل الغربي في فترة الاستعمار، وغرس كيان إسرائيل، والحروب وتفاقم جماعات العنف والتطرف والصراعات اللاحقة، التي استنفدت قدراً غير قليل من الجهد العربي خلال العقود الماضية، مع ما كان لكل ذلك من تداعيات بالغة السوء والسلبية في تخليق عثرات الحداثة وتعويق حلم التحديث العربي، حتى الآن.

حسن ولد المختار

الكتاب: الفكر والسياسة في العالم العربي

المؤلف: جورج قرم

الناشر: لاديكوفرت

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا