• الجمعة 26 ربيع الأول 1439هـ - 15 ديسمبر 2017م

كاشفاً بشاعة التوحُّش «المتمدّن» في «مداريات حزينة»

كلود ليفي شتراوس: قوس قزح الثقافات الإنسانية آيلٌ للتلاشي

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 12 أغسطس 2017

إبراهيم الملا (الشارقة)

يحمل كلود ليفي شتراوس في عمله البحثي المضني حول المجتمعات العتيقة والشعوب البدائية الآيلة للانقراض، هماًّ إنسانياً ووجودياً مفارقاً، ومسدّداً باتجاه الحفاظ على التنوع الثقافي والهويات المستقلة والتعدد الأركيولوجي الذي يصيغ هذا التنوع البشري، ويحيطه بالحماية الذاتية إزاء التدخلات السافرة للآخر المتفوق والمعتّد بمراهقته الاستعلائية، المقرونة بالعنصرية والاستغلال والنكران.

في كتابه «مداريات حزينة» الأشبه برواية أو سيرة تأملية تجوس في مصائر الإثنيات المهددة بالتلاشي في خضم عالم هادر بضجيجه التقني، يفتتح شتراوس مؤلفه الأشبه باستقصاء علمي ومستقبلي، بالإشارة إلى أن رحلاته الاستكشافية إلى الغابات المنسية والمناطق المجهولة، خصوصاً تلك التي قام بها في أدغال البرازيل، منحته فرصة كبيرة للتعرف إلى ملامح الكارثة المقبلة للبشرية، حيث رأى الملاّك العقاريين في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي وهم ينقلون استثماراتهم تدريجياً إلى المجال الصناعي إلى البرازيل، والذي يسهم فيه رأس المال الأجنبي، ويبحثون عن غطاء أيديولوجي من خلال نظام برلماني مدجّن.

ويصف شتراوس هذه الصيغة الاستعبادية الجديدة قائلاً: «أيتها الطرائد المسكينة، يا من وقعتم في فخ الحضارة الميكانيكية، يا متوحشي الغابة الأمازونية، والضحايا الطيّعين العاجزين، بوسعي أن أفهم القدَر الذي يبيدكم، ولكن هل سأبقى باعتباري السلف الأبيض لمغامري الأحراش هؤلاء، الوحيد الذي لم يحفظ شيئاً بيديه سوى الرماد؟ وهل سيشهد صوتي الوحيد لمصلحة إخفاق الهروب؟ إنني مثل هندي الأسطورة، ذهبت إلى أبعد ما سمحت لي به الأرض، وعندما ساءلت الكائنات والأشياء لم أجد سوى خيبة الأمل!»

تقع هذه الكلمات القاسية رغم شعريتها الخبيئة في مستهل رحلة محفوفة بالمقارنات والاستنتاجات الذهنية حول الكولونيالية المعاصرة والمتناقضة أيضاً، فهي تبدو ناعمة في مظهرها المتمدن، ولكنها تبطن نوايا اقتصادية متوحشة دون شك.ويقول الدكتور فيصل درّاج الذي قدّم الكتاب إن شخصية شتراوس تمتلك تصورات إنسانية رحبة تقول بالتسامح والتعامل الحواري ونبذ التعصب قبل أن تستقر في صيغة أخلاقية ــ نظرية، عنوانها: الدفاع عن التعددية الثقافية.

يتحرر شتراوس من دعاوى العرق والجنس و«سلطة القوة»، ويدافع عن هذا التنوع وضرورة الحفاظ عليه واستنباط الوسائل التي تمدّه بالتجدّد والديمومة، فتصورّ مثل هذا ينكر بداهة معتقدات مراتب البشرية، ويقول بثقافات إنسانية متساوية، تختلف ولا تتنافى، وتتباين ولا تتناكر، وتتحاور ولا يمحو بعضها بعضاً، وهذا التنوع الذي يحتقب تجارب مختلفة الشروط والأزمنة، هو ما يجعل الحوار الثقافي بين الشعوب المختلفة ضرورياً، وهو ما يغني أيضاً الثقافات المتحاورة، لأن حال الثقافة الإنسانية الشاملة يزدهر بالتعدد والتنوع، ويذوي ويفتقر بالأحادي الذي يخاصم غيره، وبـ «المركزي» الذي يجتثّ ما عداه.

ولعل هاجس التنوع الثقافي ــ كما يؤكد درّاج ــ هو ما جعل شتراوس يكتب في 1952 كتابه «العرق والتاريخ» الذي أصبح من أهم النصوص المنددة بالعنصريات المختلفة، وأضاف إليه بعد 20 عاماً تقريباً كتاب «العرق والثقافة» الذي يستأنف أسئلة النص الأول ويزيدها وضوحاً. يتطرق شتراوس في صفحات كتابه وبإشارات غاية في الرهافة والتحليل الشائق رغم ضبابيته، لأحوال ومآلات الظواهر الكولونيالية الاقتصادية الشرهة ويقول في ذلك: «لقد بدأ الكون من دون الإنسان، وسينتهي من دونه، وما المؤسسات والعادات والأعراف التي أمضيت حياتي في جمعها وفهمها، إلاّ إزهار عابر لخلق، ليس لها بالنسبة إليه أي معنى، فيما عدا السماح للإنسانية ربما، بلعب دورها فيه». مختتماً بالقول: «إن الإنسان ومنذ أن بدأ بالتنفس والتغذية، واكتشاف النار وحتى اختراعه الأسلحة الذرية والهيدروجينية، لم يفعل شيئاً سوى تفكيكه لمليارات من البنى الأصلية وتحويلها إلى بنى فوضوية غير مندمجة ومحكومة بالاندثار، وبما أن الفرد ليس وحيداً في الجماعة، وأن كل مجتمع ليس وحيداً بين غيره، فالإنسان ليس وحيداً في الكون، وسط قوس قزح الثقافات الإنسانية الآيل للتلاشي في الفراغ الذي عمقه جنوننا، ولكن طالما بقينا وبقي العالم، فإن هذه السفينة المنظمة التي تصلنا بما لا يمكن النفاذ إليه ستبقى مرشدة إلى السبيل المعاكس لسبيل عبوديتنا».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا