• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

باب الرياء والتنطع والنفاق والثقل واسع، وأظنه سبب كل ما تعانيه الأمة من إرهاب وتطرف.. وأظن أن أصل كل ذلك هو غياب العقل وشيوع الحماقة التي «أعيت من يداويها».

كثرة الثقلاء وقلة العُقلاء!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 28 سبتمبر 2016

محمد أبوكريشة*

المتنطعون هم الثقلاء، وهم المراؤون، وهم المنافقون. ولا بد أن يكون المتنطع ثقيل الظل، ومرائياً، ومنافقاً. وهذا الصنف الثقيل والمرائي والمتنطع والمنافق ابتُليت به الأمة العربية والأمة الإسلامية منذ زمن طويل.. وأنت لا بد أن تقابل هؤلاء في صلاة الجماعة، وفي الحج، وفي كل عبادة فردية أو جماعية فيخرجوك من الخشوع ومن معية الله عز وجل فتفقد تركيزك وتتحول العبادة إلى معركة داخلية بينك وبين نفسك ومعركة خارجية مع الثقلاء المنافقين. رُوي أن السيدة عائشة، رضي الله عنها، قالت: لقد نزل قرآن في الثقلاء.. فقيل: وكيف ذاك؟ قالت: في قوله تعالى: (... فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا...)، «سور الأحزاب: الآية 53».

وصلى الفقيه محمد بن سيرين خلف أعرابي، فأطال الأعرابي الصلاة بشكل متنطع، فلما قُضيت الصلاة قال له ابن سيرين: خفف يا أخا العرب، فإن خلفك المريض والكبير وذا الحاجة.. فرد الأعرابي: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.. فقال محمد بن سيرين: أنا رسول الخاشعين إليك بأنك من الثقلاء. ورُوي أيضاً أن محمد بن سيرين أو غيره صلى خلفه أعرابي ولما قُضيت الصلاة قال ابن سيرين للأعرابي: ما أحسن صلاتك يا أخا العرب.. فقال الأعرابي: وفوق هذا أنا اليوم صائم.. فقال ابن سيرين: أردت أنا شيئاً وأجبت أنت عن شيئين، ثم قال:

صَــــــلَّى فَأَعْجَبَنِي وَصَــــــــــــــامَ فَرَابَنِي

نَحِّ الْقَلُوصَ عَنْ الْمُصَلِّي الصَّائِمِ

وآفة المسلمين وفي القلب منهم العرب اليوم التنطع، والثقل، والرياء، والنفاق، ومظاهر ذلك كثيرة جداً، ومنها كثرة الاستفتاء في أمور إما واضحة وإما تافهة، وكثرة المفتين وطوفان ما يسمى البرامج الدينية، والنساء أكثر رياءً من الرجال بدليل أنهن جلّ أو كل السائلات والمستفتيات في البرامج المسماة الدينية. والناس لا يستفتون قلوبهم لأن القلوب صدئت وران عليها النفاق والرياء وثقل الظل. والتنطع والرياء وثقل الظل والنفاق كلها مسؤولة عن أن التدين أصبح زاعقاً صاخباً صارخاً كأنّ المسألة ليست سوى مباراة في الدعاية والإعلام... كما أن هذه الآفات مسؤولة عن التدين العنيف والإرهابي وعن التطرف الذي قضى تماماً على الرفق واللين وهما من صلب الإسلام.. والرياء هو الذي يجعل أعمال المرائي الصالحة هباءً منثوراً يوم القيامة (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا)، «سورة الفرقان: الآية 23».. والمقصود هنا العمل الصالح الذي لا يراد به وجه الله عز وجل.

وأصل الإرهاب الرياء والتنطع والنفاق.. والعرب يبالغون في التطرف رياءً وتنطعاً وليس تديناً ولا ورعاً ولا تقوى، لأن الورع والتقوى مرتبطان باللين والسماحة والرفق والهدوء، وليس تقياً ولا ورعاً أبداً من تَشدَّد وغلا وبالغ وأوغل في التنطع والرياء، ومن جعل الدين مسحوقاً للتجمُّل. وكل المغالين والمتشددين والمرائين يخفون بريائهم وتنطعهم نفوساً خربة وسرائر مرذولة، ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أخوف ما أخاف على أمتي الرياء الظاهر والشهوة الخفية، أي المظهر المتدين والجوهر المنحرف ولا بد أن يكون جوهر المرائي والمتنطع خرباً ومنحرفاً.. وكل المظاهر التي تبدو دينية من حولنا ليست سوى تنطع ورياء وثقل ظل وإخفاء لباطن مظلم ومنحرف. ومن مظاهر التنطع والرياء وثقل الظل في أمتنا أن الناس يسألون عن المسألة أكثر من واعظ. فإذا قال بعض الوعاظ بالجواز انصرفوا عنه وإذا قال البعض الآخر بعدم الجواز أخذوا برأيه وأكبروه وأُعجبوا به، وليس عالماً ولا مفتياً موثوقاً به عند العرب من قال بالإباحة والجواز. فمن قال: هذا يجوز فهو من علماء السلطة أو السلطان، ومن قال: لا يجوز فهو من علماء الدين الذين لا يخافون في الحق لومة لائم.. ولذلك تنطع كثير ممن نسميهم علماء الدين وبالغوا في التحريم والحظر حتى ينالوا ثقة جمهور المرائين والمتنطعين وصار جمهور المرائين والمتنطعين هو الذي يقود من نسميهم علماء الدين.

وصار علماء الدين في أيامنا مثل الفنانين يسيرون وفق ذائقة الجمهور والعامة والسوقة ويقدمون للجمهور ما يريده لا ما يفيده. فعلماء هذه الأيام يريدون شعبية ولا يريدون الحقيقة، وهم لن يحصلوا على الشعبية والجماهيرية إلا إذا أرضوا المنافقين والمنافقات والمرائين والمرائيات، أي أن علماء هذه الأيام يطبقون نفس شعار أهل الفن (الجمهور عاوز كده).. والجمهور في أمتنا جله من الثقلاء والمرائين والمنافقين والمتنطعين. وجماعة «الإخوان»، هي الرائدة في نشر التنطع والرياء في أمتنا. وهي التي جعلت الدين لافتة على دكان السياسة والسلطة، وجعلت الآخرة لافتة لـ«سوبر ماركت» الدنيا وموبقاتها وملذاتها.. وجعلت الإسلام غلافاً وعبوة براقة لسلعة فاسدة ومنتهية الصلاحية استهلكها الناس حتى قتلت عقولهم، وسممت ضمائرهم، وأظلمت قلوبهم، وأفسدت دينهم ودنياهم، وأولاهم وآخرتهم.

والأصل في الدين الإخفاء والفرع الإعلان ومن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله اثنان من الأخفياء.. أحدهما رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه بالدموع. وتأمل كلمة (خالياً)، أي غير مُراءٍ ولا متظاهر ولا متنطع. وقد مر أبو أُمامة بأحد المساجد فرأى رجلاً يصلي ويدعو وهو يبكي، فقال له: «أنت، أنت لو كان هذا في بيتك»، أي ابكِ خالياً وليس بين الناس. وباب الرياء والتنطع والنفاق والثقل واسع، وأظنه سبب كل ما تعانيه الأمة من إرهاب وتطرف.. وأظن أن أصل كل ذلك هو غياب العقل وشيوع الحماقة التي أعيت من يداويها، وسيبقى الأمر عصياً على الحل ما استمرت الغلبة للثقلاء والهزيمة والتقهقر للعقلاء، فداء الأمة العضال، كثرة الثقلاء وقلة العقلاء!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا