• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م

اللائكية ليست قانوناً أو نظاماً قضائياً ومع ذلك تحمي الديانات والعقائد

حركة تحرير من عَمى التعصبّ الديني

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

أحمد فرحات

في كتابه «هرطقات.. عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية»، يذهب خبير العلمانية جورج طرابيشي إلى أن الخطاب الفكري العربي الحديث استدمج في تضاعيفه العديد من المصطلحات الإيديولوجية والمفاهيمية من قبيل القومية والأممية والرأسمالية والاشتراكية والليبرالية والفاشية والرومانسية والسريالية والبنيوية واللاأدرية...إلخ، ونجح في التداول المعرفي والنقدي فيها؛ غير أن مفهوماً واحداً في رأيه لم يعرف طريقه إلى التبّيئة، ألا وهو «العلمانية»؛ «فهذا المصطلح ما فتئ يُعامل منذ لحظة اكتشاف وجوده معاملة القريب الفقير. ولئن استطاع المصطلح أن يفرض نفسه في المشرق العربي، حيث ثمة وجود لأقليات مسيحية، فاستعار من قاموسها اللاهوتي تعبير (العلماني) بالتعارض مع (الإكليركي)، أي مَنْ ليس رجل دين وكنيسة، فإنه في المغرب، حيث لا وجود لتلك (الأقليات)، لم يفلح إلا في أن يلجأ إلى التعريب الحرفي، فبات يقال للعلمانية (لائكية)».

ولكن بغض النظر عن اللفظ ذاته، والكلام لجورج طرابيشي، «فإن المفهوم لم يفلح قط في أن يفوز بحقوق المواطنة؛ فقد بقي على امتداد عقود بكاملها منبوذاً، متجاهلاً، متحاشى، مستبعداً من أي تأسيس نظري، حتى من العلمانيين أنفسهم ممن أرادوا أن يمارسوا العلمانية على طريقة بطل موليير في ممارسة النثر، أي كما لو بغير علمهم».

وعلى الرغم من ذلك كله، بدأ مفهوم العلمانية يشقّ طريقه عربياً للظهور من جديد، وعلى قاعدة رفض التديّن السياسي، وسعي الإسلام السياسي العربي بكل السبل للسيطرة على الدولة العربية الحديثة وفرض «تشريعه الديني» عليها ولو بالإرغام والإكراه. كما بدأ مفهوم العلمانية يشهد تفهّماً من شرائح مجتمعية عربية وإسلامية عدة، تراهن على بلورة ذلكم الوعي المجتمعي العربي العام، الذي بدأ يقبل مبدأ أن العلمانية هي ذاك النظام السياسي الذي لا يسيء للدين والمعتقدات الدينية على اختلافها في بنية الدولة الحديثة الواحدة، بل على العكس، بدأت هذه الشرائح تعي أن النظام العلماني، هو الذي يضمن حرية المعتقد الديني في إطار القانون المدني ومدنيّة الدولة الحافظة لحقوق الجميع؛ وهو ما كان، ولا يزال، يسبّب تهديداً جذرياً للإسلام السياسي الذي يستخدم ورقة الدين الحنيف تكئة لاستبداده المجتمعي والدولتي، خاصة في حال وصوله إلى السلطة، وذلك على غرار خطابات الإخوان المسلمين وأضرابهم ممن شوهوا الإسلام كدين اعتدال وفطرة، وشوهوا العروبة، وشوهوا العدالة، وشوهوا التراث، وتسببوا بكل هذه الفوضى السياسية والمفهومية التي نعيش لجج اضطرابها المخيف اليوم، والتي تستهدف فعلاً وحدة مجتمعاتنا العربية، راهناً ومستقبلاً.

وقبل أن نفصّل في ذلك أكثر، لا بدّ من إلقاء الضوء على مفهوم العلمانية، هذا الذي يحيط به غموض بالنسبة إلى كثيرين في بلداننا العربية والإسلامية. ولجلاء هذا الغموض، لا بدّ من الرجوع بالمفهوم الأوروبي للعلمانية (نشأت العلمانية خلال عصر التنوير الأوروبي على يد فولتير وتوماس جيفرسون) إلى سياقه التاريخي عندما تمّ إبعاد الكنيسة عن ممارسة السلطة السياسية أو الإدارية، خصوصاً في مجال التعليم؛ وذلك بإعادة السلطة السياسية إلى العالم الدنيوي أو الزمني (الناس، الشعب) واستعادتها من العالم العلوي الذي تزعم الكنيسة أنها تمثله. غير أن هذا العالم ليس مجرداً أوخلواً من الأديان، بل إنه بخليط ألوانه وأديانه وثقافاته وانتماءاته المختلفة، هو مصدر السلطة السياسية التي تضع القوانين الصالحة لإدارة شؤون المجتمع والدنيا، بعيداً عن القوانين أو الشرائع الدينية المتصلة بالآخرة، بحيث يصبح جميع الناس في هذا العالم، لا في العالم الآخر، متساوين في الانتماء الديني، أي مواطنين. ومن هنا جاء امتزاج، بل اندماج العلمانية بالديمقراطية.

إذاً، لا يمكن للمواطنة إلا أن تكون علمانية، وذلك لضمان فتح مجالات المشاركة أمام المواطنين (على اختلاف أديانهم ومذاهبهم ومشاربهم) في عملية خدمة الوطن، لا سيما أن مفهوم المواطن في سياق نشوئه وتطوره في تاريخ الفكر السياسي، مرتبط أساساً بالمساواة المطلقة بين رعايا الدولة الواحدة، لا فرق بين الواحد منهم والآخر من حيث الانتماءات الأخرى، مهما اختلفت، باستثناء الانتماء إلى الوطن/&rlm&rlm الدولة/&rlm&rlm المدينة. فالعلمانية لا تكون إلا في دولة ديمقراطية تستمد شرعيتها من الناس، أي من صناديق الاقتراع؛ والدولة العلمانية تحترم جميع الديانات والمعتقدات، لكنها لا تعترف بأي معتقد أو تنحاز إليه، وذلك انطلاقاً من واجبها الأساسي، حفظ المساواة بينها جميعاً.

هكذا تقف العلمانية بين التديّن ونقيضه (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، فلا تتبنى ديناً معيناً، ولا ترفض ديناً بعينه؛ لذا يمكن القول إن العلمانية تتميز برفض مزدوج: ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا