• الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ - 14 ديسمبر 2017م

في المعوقات العامة التي حالت دون العرب وعلمانيتهم

معطّلات العَلمَنَة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

أحمد جابر

سؤال العلمانية، مثله مثل سؤال الديمقراطية، سيظل ماثلاً أمام الأذهان في العالم العربي، ومع هذا أو ذاك، سيظل التقدم والتطور والنهضة الجديدة، من التحديات التي استهدفها التعطيل فأخّر زمانها، وستبقى من المهمّات الواقعية، الحاضرة والمستقبلية، التي لا ينال منها الفوات الزمني ولو تأخّر أوانها. وحسناً يقال إن الأزمة عربية، ففي تعميم الوصف وتحليل واقع الحال، استبعاد لإمكانية النجاة الفردية.

عند الإشارة إلى أزمة العلمانية في دنيا العرب، سيكون من الأدق القول إن «العروبة» مأزومة علمانياً، فالعلمانية لم تتحقق على أرض الواقع العربي ليكون متاحاً الوقوف أمام أزمتها، والتدبير العلماني لم يتجسد في «كينونة» قانونية أو سياسية أو فكرية، بصفته العلمانية «المحضة»، حتى يكون يسيراً معاينة مظاهر الوهن العلماني، ومتابعة مراحل عجزه أو شيخوخته. هذه الإشارة تنقل مسألة العلمانية المتعثرة في الديار العربية إلى عنوان واقعي آخر هو: ما هي المعوقات العامة التي حالت دون العرب وعلمانيتهم؟ وما هو السياق أو السياقات المتعرجة التي جعلت السير العلماني متعثراً أو متعذراً أو شديد العسر؟ وضمن أية بنية عربية عامة وخاصة، سالت تلك العملية المجتمعية المديدة، روافدها الفكرية والثقافية والمجتمعية والإيديولوجية والسياسية..؟

عائق البنية

العودة المتكررة إلى الوقوف أمام مسائل البنية العربية، مهمّة لا يمكن الوصول إلى واحة الاقتراحات والحلول، من دون اجتياز مفازة تعقيداتها، فالبنية هذه، شكلت وما زالت ميدان الاختبار للتجارب ذات المشارب الفكرية المختلفة، وهي، أي البنية، تحتفظ لذاتها بتعريف الإطار، الذي لا صورة للذات العربية خارج حدوده، وبتعريف الحقل، الذي لا غرس ولا زرع ولا جنى، خارج معرفة خصب تربته، أو التأكد، بالملموس، أن لا بقاء لنماء وسط طبيعة هذا الحقل القاحل، في هذا السياق، ما زالت البنية العربية، في حاضرها وفي ماضيها غير الموغل في القدم، مرآة لانعكاس التراث التاريخي العام، الذي تشكل في أطر سلطوية مختلفة، والذي اتخذ لسيرورته منحنيات بيانية مجتمعية واجتماعية متباينة. التراث البنيوي هذا حضر بالتلازم مع الوضع السياسي العام، وكان له في كل حقبة تاريخية عربية سمات أنتجتها علاقة الداخل بالداخل، وعلاقة الداخل العربي بالخارج. حضور التراث المندغم بالسياسي اندغاماً تفاعلياً تبادلياً، كان طاغياً في فترات معينة، وفاعلاً ومتدخلاً ومعطِّلاً في فترات أخرى، ومحايداً وباهتاً في بعض الفترات العربية الانتقالية، من قبيل نهايات حقبة السيطرة العثمانية، وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، فمراحل الاستقلال العربية المتفرقة، وما تلاها من أنظمة انقلابية أعلنت عن برامج لتغيير البنية العربية، ثم عادت البنية لتغيّر طموحات الانقلابيين، وتتابع مسيرة سيطرتها.

في امتداد ذلك، بل كتتمة طبيعية لمعاندة سائد البنية العربية وموروثها، راوح الوضع العربي في تحلّقه حول مركزة ذاته وتنظيمها، وكان الأبرز في السلوك التنظيمي والانتظام الإقامة بين وضعين، الأول هو الذي اتخذ صفة ما دون الدولة، أي الشكل السلطوي الذي لم يتجاوز عتبة تعريف الدولة للولوج إلى رحاب مضمونها الحديث الذي صار إليه، أما الثاني فهو الذي وضع تشكيله الأيديولوجي والسلطوي ما فوق الدولة، فقفز شعارياً إلى القومية أو إلى الإسلامية أو إلى الاشتراكية الأممية، فالتقى بذلك مع ما يفترض أنه نقيضه، أي وضع ما قبل الدولة، وشاركه في منع استقامة الشأن الوطني الساعي إلى بلورة علاقاته وتنظيم اجتماعه وفق دستور معلوم، وعلى قواعد مجتمعية جديدة فيها العقد الاجتماعي والاختيار الفردي الحر، وفيها المساءلة والمحاسبة وفصل السلطات واستقلالها أي فيها ما تطلبه العلمانية، أو ما تهدف إليه هذه الأخيرة من تدابير عملية وقانونية تضمن حسن سير العملية المجتمعية، وتفتح قنوات انسيابها انسياباً سلساً واضحاً لا لبس في أحكامه. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا