• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م

هل يمكن أن يخرجنا من الانحباس الحضاري؟

الفكر العلماني.. مآلاته وممكناته

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

الفاهم محمد

يعرف عالمنا العربي والإسلامي منذ عقود توترات عنيفة بين قطبين لا يلتقيان هما الأصولية والعلمانية. لقد شكل الصراع بين هذين الماردين الخريطة الاجتماعية والسياسية للمنطقة، حتى بدا الأمر كما لو أننا نعيش بسببه انحباساً حضارياً لا سبيل إلى تجاوزه. إن مجمل أشكال الشد والجذب والتقلبات والتطلعات والآمال والإحباطات والمآسي التي عرفناها وما زلنا نعرفها إلى اليوم، إلى الصراع الدائر بين الأصولية والعلمانية. ثمة تفرعات عديدة لهذا التوتر ولكن ربما يعود التباين بينهما إلى اختلاف منظومة القيم الخاصة بكل منهما، وإلى الطرق المتميزة في البناء الحضاري والتحقق التاريخي. وكذا التناقض الكبير في التصورات المرتبطة بمواضيع حاسمة كمفهوم الإنسان والحياة التي ينبغي أن تعاش وشكل الخلاص البشري.

تميل الأصولية إلى تقديم نفسها ـ رغم الاختلافات الطفيفة التي توجد بين تياراتها ـ باعتبارها بديلاً حضارياً مكتملاً ينطوي على حلول شاملة لكل الإشكالات التي يعاني منها الإنسان المعاصر، وأن صلاحية هذه الحلول تعود أساساً إلى كونها مستمدة من الشريعة والقانون الإلهي. بينما ترى العلمانية في صيغتها العامة ـ ما دام أن هناك أشكالاً من العلمانيات ـ أن العالم منذ القرن الثامن عشر على الأقل قد ابتكر شكلاً جديداً لتسيير المجتمعات، وتنظيم الحياة لا علاقة له بما كان معروفاً في الماضي؛ حيث كانت السلطة السياسية ذات شكل ديني وتمارس بتفويض إلهي. منذ القرن الثامن عشر  شكلت العلمانية أفقاً للممارسة السياسية ليس فقط للغرب بل ولكل المجتمعات بما فيها المجتمعات العربية. فما هي المآلات التي تعرفها العلمانية عندنا؟ وما هي الممكنات التي تحملها لنا للخروج من الانسداد الحضاري الذي نعيشه؟  

تشويه

 تجدر الإشارة في البداية إلى أن لفظ العلمانية في الوعي العام قد تعرض للكثير من التشويه. يكفي اليوم أن يتم نعت أحدهم بكونه علمانياً حتى يتم ازدراء كلامه وتسفيه أفكاره، والنظر إليه على أنه ملحد معاد للدين. وربما يعود ذلك إلى الانتشار الكبير للرجعية وبعض تيارات الإسلام السياسي المتبنية لها في العالم العربي، إضافة إلى الدور الذي لعبته القنوات الفضائية في حشد الرأي العام ضد كل ما له علاقة بقيم الحضارة المعاصرة، في حين أن مصطلح العلمانية بريء من تهمة الإلحاد بل إن العلمانية غير مناوئة للدين أصلاً، وكل ما تريد أن تثبته هو ضرورة النظر إلى كل فرد في المجتمع باعتباره مواطناً، أي شخصاً مساوياً في الحقوق والواجبات لجميع الأشخاص الآخرين. ويأتي على رأس هذه الحقوق الحريات العامة مثل حرية التفكير والاعتقاد والتعبير.

ويرى جون لوك، في هذا السياق، أن من واجب الدولة رعاية الخيرات المدنية، أي أن تهتم بالشؤون الدنيوية وما يهم المواطن في المجتمع، ولكن ليس من حقها أن تترامى على الخيرات المعنوية، أي كل ما يمس الجانب الإيماني للإنسان ونجاة الأرواح. بطريقة أخرى لا يمكن للدين أن يتدخل في السياسة ولا يمكن للسياسة أن تمارس وصايتها أيضاً على الدين. بهذا المعنى يمكن القول بأن العلمانية تميز بين ما ينتمي للفضاء العمومي l&rsaquoespace public مثل الأمور الاقتصادية والسياسية، وما ينتمي للفضاء الخاص L&rsquoespace privé ، وهذا هو المعنى الحقيقي لفصل الدين عن الدولة؛ فهو لا يعني إنكار أهمية المسألة الدينية وإنما وضعها ضمن المكان المعتبر الخاص بها. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا