• الجمعة 30 محرم 1439هـ - 20 أكتوبر 2017م

أهمّ معركة ثقافيّة نخوضها مع تراثنا وذاكرتنا

كانط ونقد التعصب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 10 أغسطس 2017

أمّ الزين بنشيخة المسكيني

«إنّ ديناً يعلن الحرب على العقل سوف يصبح مع مرور الزمن غير قادر على الصمود أمامه».. هكذا كتب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كتابه «الدين في حدود مجرّد العقل» (سنة 1793)، الذي اعتبر حدثاً فلسفياً حاسماً من أجل ضمان دخول الإنسانية الأوروبية عصر التنوير، لكن أيّ  معنى لهكذا عنوان اليوم في أوطاننا التي صار فيها الدين يستخدم كراية لتنظيمات إرهابية متطرّفة، وصار فيها الإسلام إلى ضرب من التهمة العالميّة؟ كيف يجري إخراج دين ما عن مقاصده وعن حدود العقل فيتحوّل إلى راية لسفك الدماء؟ وهل لازال بوسعنا اللحاق بركاب التنوير أم قدرنا أن نظلّ  نناضل ضدّ الظلام كما لو كان ليلنا الميتافيزيقي ليلاً طويلاً لا ينتهي؟

هذه إشكالية توقّع أهمّ معركة ثقافيّة نخوضها مع تراثنا وذاكرتنا نحن الذين لم نتقن بعدُ الحسم في كيفيّة الإنتماء إلى أنفسنا العميقة، أي في ما يمكن أن يحيا معنا وما ينبغي دفنه في مقبرة التاريخ. ذلك أنّ الانتماء الإيجابي إلى الإنسانية الحالية هو أيضاً معنى نجاحنا في الانتماء إلى ذاكرتنا. فالمستقبل هو ذاكرتنا القادمة، أمّا «ميت الطيور.. فلا الأرض تحضنه ولا البشر». كيف نحفظ الدين من الخروج عن العقل؟ وكيف نضمن سيادة العقل على سياسات العقيدة في أوطاننا؟

تلك هي الأسئلة التي اشتغل عليه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كتابه الذي أثار في زمانه غضب الساسة ورجال الكنيسة معا. هذا الكتاب هو «الدين في حدود مجرّد العقل» (ترجمه عن الألمانية د. فتحي المسكيني، 2012). وإنّ عنوانه ذاك لهو توقيعة رمزيّة عميقة لضرب من العلمانية الفلسفيّة التي وجدت في الحداثة الدينيّة ملامحها القصوى. ما يهمّنا هو كيف تمكّن كانط من تقديم اقتراح حاسم لمسألة التوتّر والصدام الدموي التي عانى منها هذا الثنائي «الدين والعقل» طيلة تاريخ الديانات التوحيدية.

وفي الحقيقة ثمّة ثلاث لحظات نظرية مرّ بها الصراع بين العقلاني والديني هي: أوّلا: اللحظة العربية الإسلامية الوسيطة التي عاش فيها فلاسفة العرب محنة مؤلمة ولاحقتهم تهمة الزندقة ودفع بعضهم دمه ثمناً لذلك، بحيث كُفّر الفارابي وابن سينا، واتّهم ابن رشد بالإلحاد وأحرقت كتبه وتمّ نفيه، لأنّه دعا إلى استعمال العقل في تأويل النصّ   الديني، كما تمّ تسميم ابن باجة وقتله. وثانيا: اللحظة المسيحية التي أشعل فيها التعصّب فتيل حروب دينية دامت قرونا وتعدّدت محاكم التفتيش وانتصبت المشانق والمحارق بين الكاثوليك والبروتستانت. واللحظة الراهنة لواقعة الإسلام الراديكالي الأصولي الذي يدّعي إمكانية تأسيس الدولة على الخلافة الإسلامية وينشر الدمار والخراب وسفك الدماء تحت هذه الراية المتطرّفة.

العنف الوحشي

إزاء مخاطر سطو السلطة الدينية ووصايتها على العقول، وتفشّي التعصّب الديني الذي أدّى إلى سفك الدماء، لا يملك الفكر غير البحث عن سبل سلمية ومدنية لمقاومة هذا العنف الوحشي الناتج عن الصدام بين ما هو عقلي وما هو ديني. لقد اقترح ابن رشد فصل المقال ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، واقترح لوك وفولتير مفهوم التسامح حلاّ لوحشية التعصّب الدمويّة، واقترح كانط ضرورة التمسّك بالعقل كقيمة رمزية كونية لحفظ كرامة البشر وحرياتهم وحقوقهم المدنية والدينية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا